وكشف تحقيق نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، الأربعاء، عن اتساع نطاق الأنشطة السرية المنسوبة لإيران داخل أوروبا، واستعانتها المحتملة بشبكات إجرامية وأشخاص لا يملكون سجلًا أمنيًا معروفا.
وتأتي هذه التطورات رغم توقف الضربات المباشرة بين إيران وأميركا وإسرائيل، ما يثير تساؤلات بشأن انتقال جانب من المواجهة إلى الأراضي الأوروبية، عبر عمليات يصعب كشف الجهات التي تقف وراءها أو إثبات مسؤوليتها قضائيا.
طائرات مسيرة قرب قاعدة أميركية
بدأت أحدث حلقات التصعيد في 27 سبتمبر، عندما كشفت السلطات البريطانية عن محاولة مشتبه بها لاستهداف طائرات عسكرية أميركية في قاعدة فيرفورد الجوية، التي استخدمتها القوات الأميركية خلال الحرب ضد إيران.
ووفق “لوموند”، تلقت أجهزة استخبارات أوروبية معلومات بريطانية عن احتمال استخدام طائرات مسيرة صغيرة مزودة بمتفجرات ضد قاذفات أميركية.
لكن التحقيقات لم تعثر على متفجرات داخل مركبات المشتبه بهم، وإنما على عبوات وقود، ما يجعل طبيعة الهجوم المخطط له موضع تحقيق.
وأوقفت الشرطة البريطانية عدة أشخاص، قبل توجيه اتهامات إلى اثنين منهم في قضايا تتعلق بالأمن القومي والتعامل مع جهاز استخبارات أجنبي.
ونقلت “وول ستريت جورنال” عن الادعاء البريطاني أن شخصًا خارج البلاد استخدم اسم “علي” يُشتبه في توجيهه بعض التحركات المرتبطة بالقضية. ولم تثبت المحاكم حتى الآن المسؤولية الإيرانية عن المخطط.
أكثر من 50 اعتقالا
بحسب “لوموند”، أعلن المدير العام لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني “MI5″، كين ماكالوم، في 13 أكتوبر، أن العمليات العدائية المرتبطة بإيران أدت إلى اعتقال أكثر من 50 شخصًا منذ يناير.
ولم تعد المخاوف البريطانية تقتصر على استهداف المعارضين الإيرانيين في المنفى أو المؤسسات اليهودية والإسرائيلية، بل امتدت إلى المنشآت العسكرية.
وفي 12 أكتوبر، أصدرت 32 دولة، وفق إحصاء “لوموند”، بيانًا مشتركًا أدانت فيه ما وصفته بالهجمات الإيرانية، بما يشمل مخططات القتل والتخريب والحرائق المتعمدة والهجمات الإلكترونية.
أما طهران، فنفت الاتهامات البريطانية، معتبرة أنها محاولة لصرف الأنظار عن مسؤولية لندن في الحرب ضد إيران.
قتلة مأجورون بدل العملاء التقليديين
تلفت الصحيفة الفرنسية إلى تحول في الأساليب التي تنسبها الأجهزة الغربية إلى الاستخبارات الإيرانية، يتمثل في الاستعانة بأشخاص عاديين وشبكات إجرامية لتنفيذ مهام المراقبة أو الاعتداءات.
وفي 16 أكتوبر، حكم القضاء البريطاني بالسجن 20 عامًا على شاب نرويجي يبلغ 19 عامًا، بعد إدانته بالمشاركة في مخطط قتل مرتبط بشبكة “فوكستروت” الإجرامية السويدية.
وكان الشاب قد جُنّد عبر الإنترنت وسافر إلى بريطانيا حاملًا أسلحة وذخائر، في إطار مخطط لاستهداف مصالح يهودية وإسرائيلية.
وبحسب “لوموند”، تعتقد السلطات البريطانية أنه عمل مقابل المال تحت إشراف جهات استخباراتية إيرانية، لكنها لم تتمكن من إثبات هذه الصلة بصورة قاطعة أمام القضاء.
وفي قضية أخرى، أُدين رجل نمساوي من أصل شيشاني بجمع معلومات عن إجراءات حماية مقر قناة “إيران إنترناشيونال” المعارضة في لندن، مقابل المال.
ألمانيا تدخل دائرة الاستهداف
لم تقتصر القضايا على بريطانيا. ففي 14 أكتوبر، أصدرت محكمة في هامبورغ أحكامًا بالسجن بحق رجلين في قضية تضمنت التخطيط لاستهداف شخصيات ومؤسسات يهودية في ألمانيا.
ووفق ما أوردته “لوموند” عن الحكم، عمل أحد المدانين بتوجيه من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وشملت المخططات استهداف رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا وشخصيات أخرى.
كما شهدت دول أوروبية، بينها ألمانيا وبلجيكا وهولندا والنرويج، اعتداءات استهدفت مصالح يهودية أو رموزا أميركية، أعلنت جماعة تطلق على نفسها “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” مسؤوليتها عن بعضها.
لكن تبني هذه الجماعة للهجمات لا يثبت تلقائيا وجود أوامر مباشرة من طهران بتنفيذ كل عملية.
حرب إلكترونية أيضا
تتجاوز المخاوف الأوروبية الهجمات المادية إلى الفضاء الرقمي. فبحسب التحقيق الفرنسي، كشفت بريطانيا وحلفاؤها في سبتمبر عن برنامج تجسس يُعرف باسم “Chosen Brick”، تنسب السلطات استخدامه إلى جهات إيرانية.
ويعتمد البرنامج على انتحال هوية جهات اتصال عبر تطبيقات مراسلة، بينها واتساب وتلغرام، بهدف الوصول إلى معلومات حساسة تخص معارضين وصحفيين وناشطين.
وتشير “لوموند” إلى أن السلطات الفرنسية تقر بتزايد التهديد الإيراني، لكنها تعتبر مستواه داخل فرنسا أقل مما هو عليه في بريطانيا وألمانيا.
هل فتحت إيران جبهة أوروبية؟
تكشف هذه القضايا عن مخاوف أمنية أوروبية من استمرار المواجهة مع إيران خارج ساحات القتال، لكن الأدلة تختلف من ملف إلى آخر، فبعض القضايا انتهى بإدانات قضائية، بينما لا تزال قضايا أخرى قائمة على اتهامات وتحقيقات استخباراتية.
ويتمثل التحدي الأوروبي في التعامل مع عمليات قد ينفذها أشخاص لا تربطهم صلات ظاهرة بأجهزة دولة أجنبية، ما يصعّب اكتشافها وإثبات الجهة التي تقف وراءها.
وبينما تنفي طهران الاتهامات، ترى الأجهزة الغربية أن توقف القصف لا يعني بالضرورة توقف المواجهة.


