وقد انتشر هذا المسمى بكثرة في إعلانات الوظائف والهياكل التنظيمية لشركات الذكاء الاصطناعي، ففي شهر ديسمبر الماضي، أدرج 39 بالمئة من موظفي شركة أنثروبيك، و31 بالمئة من موظفي شركة أوبن إيه آي، و26 بالمئة من موظفي xAI مسمى “عضو في الطاقم التقني” كمنصبهم الحالي على موقع “لينكد إن”، وذلك وفقاً لتحليل أجراه الباحثان في جامعة ستانفورد، نيك بلوم وجيديون سلوكوم مور.
كما أظهر التحليل أن استخدام هذا المسمى ارتفع بنسبة 50 بالمئة خلال العام 2025 بين موظفي شركات أنثروبيك وأوبن إيه آي وMicrosoftAI و xAI.
وبحسب تقرير أعدته صحيفة “نيويورك تايمز”، واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فإن الغموض المحيط بهذا المسمى يتيح للموظفين وأصحاب الشركات حجب التفاصيل عن المنافسين، كما انه يمنح الموظفين التقنيين بجميع فئاتهم شعوراً بالانتماء إلى دائرة المطلعين، إذ يوحي بالتركيز الجوهري على طبيعة العمل ذاته بدلاً من التركيز على الرتبة الوظيفية.
وأيضاً يمكن لهذا المسمى أن يحجب هوية الجهة المسؤولة فعلياً عن بناء وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة، وذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف المتعلقة بهذ التكنولوجيا.
ما هو معنى هذا المسمى الوظيفي؟
يشير مسمى “عضو في الطاقم التقني” بشكل عام إلى موظف يعمل بصورة مباشرة في الجوانب التقنية الأساسية داخل الشركة، مثل تطوير البرمجيات، وهندسة الأنظمة، وأبحاث الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية التقنية.
ولا يمثل هذا المسمى بالضرورة رتبة وظيفية محددة، إذ يمكن أن يضم موظفين بمستويات مختلفة من الخبرة والمسؤولية والأقدمية، كما أن استخدامه يركز على طبيعة العمل التقني الذي يؤديه الموظف أكثر من تركيزه على منصبه الإداري أو مرتبته التنظيمية.
لقب قديم عاد إلى الأضواء
ورغم أن مسمى “عضو في الطاقم التقني” قد أصبح رائجاً مؤخراً، إلا أن مختبرات Bell Labs التي تأسست عام 1925، كانت تستخدم هذا المصطلح في عقودها الأولى، وذلك وفقاً لما ذكره جون غارتنر، مؤلف كتاب “مصنع الأفكار: مختبرات بيل والعصر الذهبي للابتكار الأميركي”. فيما وجد باحثون من جامعة ستانفورد أن عدداً من الموظفين في شركات مثل IBM و Texas InstrumentsوHughes Aircraft كانوا يحملون هذا المسمى الوظيفي أيضاً خلال حقبة الستينيات.
رسائل وادي السيليكون
ولطالما روّجت وادي السيليكون لصورة تقوم على استقطاب العقول الطموحة التي تسعى إلى تغيير العالم وصناعة المستقبل، وليس فقط إلى تحقيق الثراء. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، تحرص الشركات التكنولوجية بشدة على إظهار أنها تهتم بالعلم أكثر من اهتمامها بالمال، ومن هذا المنطلق فإن المسمى الوظيفي “عضو في الطاقم التقني” يجسد فكرة تقديم الجوهر العلمي والتقني للعمل على الألقاب الإدارية والمكانة الوظيفية، بما يعزز صورة الشركات بوصفها بيئات للابتكار وصناعة المعرفة، لا مجرد مؤسسات تسعى إلى تحقيق الأرباح.
غموض ممنهج ومقصود
وتقول مسؤولة الموارد البشرية ساندرا ملحم، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن انتشار مسمى “عضو في الطاقم التقني” لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تغيير لغوي في بطاقات الموظفين، بل كإشارة إلى الطريقة التي تحاول بها شركات الذكاء الاصطناعي إدارة المعرفة والمنافسة في سوق تتغير فيها التكنولوجيا بسرعة شديدة، مشيراً إلى أن المسميات التقليدية تكشف أحياناً الكثير عن هيكل الشركة، بدءاً من المسؤول عن فريق معين وصولاً إلى المجالات التي يعمل بها كبار المتخصصين، بينما يوفر المسمى العام مثل “عضو في الطاقم التقني” قدراً أكبر من الغموض حول توزيع الخبرات داخل الشركة.
وبحسب ملحم فإن هذه المسألة تصبح أكثر أهمية في صناعة تعتمد بدرجة كبيرة على رأس المال البشري، حيث يمكن لمعلومة صغيرة عن انتقال باحث أو مهندس أو تشكيل فريق متخصص أن تكون ذات قيمة للمنافسين، وبالتالي فإن توحيد بعض المسميات قد يجعل قراءة الهياكل الداخلية للشركات من الخارج أكثر صعوبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعملون على تقنيات أو مشاريع لم تُعلن بعد، ما يمنح الشركات مساحة أكبر لحماية معلوماتها الاستراتيجية وتقليل قدرة المنافسين على استقراء اتجاهاتها التقنية المقبلة.
ألقاب تحجب المسؤولية
وتشرح ملحم أن هذا الغموض الممنهج، يخلق ضبابية تنظيمية مفيدة للشركات في التوقيت الراهن، فمع تزايد المخاوف التشريعية والضغوط الحكومية بشأن أمان نماذج الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها المجتمعية، تصبح المسميات الوظيفية الفردية مصدراً للملاحقة القانونية أو المساءلة أمام اللجان البرلمانية والهيئات التنظيمية، في حين أن مسمى “عضو في الطاقم التقني” يعزز مبدأ “المسؤولية الجماعية” داخل شركات الذكاء الاصطناعي، مما يُصعّب عملية نسب أي خلل في تدريب النماذج أو التسريبات التقنية إلى شخص بعينه.
مخاطر الغموض
وترى ملحم أن التحدي الحقيقي قد يظهر عندما يترافق اتساع استخدام مسمى “عضو في الطاقم التقني” مع غموض فعلي في توزيع الصلاحيات والمسؤوليات داخل الشركة، خصوصاً في القرارات المتعلقة بتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي واختبارها ونشرها، فكلما اتسعت الأدوار التي يجمعها المسمى نفسه، يصبح من الأهمية بمكان وجود هيكل داخلي واضح يحدد من يملك القرار النهائي، ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع خطأ أو ظهور خلل في النظام.
مرونة تشغيلية وجذب للكوادر
من جهته، يقول المحلل الاقتصادي جوزف فرح، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن اعتماد مسمى “عضو في الطاقم التقني” يمنح شركات الذكاء الاصطناعي مرونة أكبر في توزيع الكفاءات وتشكيل فرق العمل، إذ يتيح للموظفين الانتقال بين مشاريع تقنية وبحثية مختلفة وفقاً لخبراتهم واحتياجات العمل، من دون أن تقيّدهم مسميات وظيفية ضيقة، لافتاً أيضاً إلى أن إزالة بعض إشارات التراتبية من المسمى الوظيفي قد تساعد في جذب الباحثين والمهندسين الذين يفضلون بيئات العمل المفتوحة القائمة على المساواة وتكافؤ الفرص.
هل ولّى زمن المسميات الوظيفية؟
ويؤكد فرح أن انتشار مسمى “عضو في الطاقم التقني” لا يعني بالضرورة اختفاء التسلسل الإداري داخل شركات الذكاء الاصطناعي، إذ تظل مستويات الخبرة والمسؤوليات والصلاحيات قائمة، حتى وإن لم تظهر بوضوح في الألقاب الوظيفية، فالمسمى الواحد قد يُطلق على موظفين متفاوتين في الأقدمية والخبرة، لكن الفوارق الحقيقية بينهم تبقى مرتبطة بطبيعة المهام الموكلة إليهم، وحجم مسؤولياتهم، والصلاحيات التي يتمتعون بها، وليس باللقب الوظيفي وحده.
ويضيف فرح أن انتشار مسمى “عضو في الطاقم التقني” مرتبط بصورة خاصة بثقافة شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا يمكن تعميمه على سوق العمل بأكملها، حيث لا تزال المسميات الوظيفية التقليدية تؤدي دوراً أساسياً في تحديد المسؤوليات والمراتب المهنية، ولذلك فإن ما نشهده قد لا يكون نهاية زمن المسميات الوظيفية، بل إعادة تعريف لها داخل قطاع تكنولوجي تتقدم فيه المهارات والخبرات التقنية على الألقاب الإدارية.


