وتحذر مراكز دراسات مختصة بشؤون المنطقة، من بينها مجموعة الأزمات الدولية، من أن القتال المتجدد في شمال إثيوبيا قد يندمج بصورة خطيرة مع حرب السودان، بما يحول الشريط الممتد من تيغراي والفشقة إلى النيل الأزرق وبني شنقول–قمز إلى جبهة إقليمية واحدة تتداخل فيها جماعات مسلحة وقوى خارجية وحسابات دول الجوار.
وتأتي التحذيرات بعدما اندلع قتال واسع النطاق في 23 سبتمبر بين تحالف مسلح تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي المتمردة، ويضم مجموعات مسلحة صغيرة من الأمهرا والعفر والأورومو وبني شنقول–قمز، من جهة، والقوات الفيدرالية الإثيوبية، من جهة أخرى.
وحملت تقارير جبهة تيغراي المسؤولية الرئيسية عن التصعيد، موضحة أنها أطلقت هجمات برية منسقة مع جماعات مسلحة انضمت إليها في تحالف أعلن صراحة أن هدفه إسقاط الحكومة الفيدرالية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد.
تحالف لإسقاط الحكومة
أوقف اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر 2022، واحدة من أكثر حروب القرن الحادي والعشرين دموية، بعدما أودت بحياة مئات الآلاف. وتعهدت جبهة تيغراي بموجب الاتفاق بنزع سلاح قواتها، بينما تشكلت إدارة انتقالية للإقليم بموافقة الحكومة الفيدرالية والجبهة.
لكن جبهة تيغراي أخلت لاحقا بالتزاماتها، وفق الحكومة الإثيوبية، قبل أن تطيح، في أبريل ومايو، بالإدارة الانتقالية وتعيد زعيمها ديبريتسيون غبرميكائيل إلى رئاسة الإقليم، في خطوة شكلت ضربة مباشرة لاتفاق بريتوريا وأعادت البلاد إلى حافة الحرب.
وفي 20 سبتمبر، أعلنت جبهة تيغراي المتمردة وست جماعات مسلحة أخرى تشكيل “تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء”، الذي جمع فصائل كانت تقاتل سابقاً في معسكرات متواجهة. ورغم خلافاتها العميقة بشأن الأراضي والسلطة والحدود الإدارية، وحّدها العداء للحكومة الفيدرالية، وأعلنت أن هدفها إسقاطها بالقوة.
وتقول الحكومة الإثيوبية إن التحالف يتلقى دعما خارجيا يستهدف زعزعة استقرار الدولة وإجهاض التسوية التي أنهت الحرب السابقة.
ويضم التحالف سبع مجموعات مسلحة من أقاليم مختلفة، بينها جبهة تيغراي وحركة “فانو” الأمهرية، اللتان قاتلتا سابقاً على طرفي نقيض.
وبدأ التحالف بالفعل هجمات متزامنة من عدة جبهات، وامتد القتال إلى شمال منطقة وولو والحدود بين تيغراي والعفر.
وبحسب محللين سياسيين، لا يبدو أن التحالف الجديد يمتلك، في وضعه الراهن، القدرة العسكرية أو التنظيمية الكافية للوصول إلى أديس أبابا أو إسقاط الحكومة الفيدرالية.
وفي مواجهة تحالف مسلح يعلن عزمه إسقاطها، تتمسك الحكومة الفيدرالية بحقها في حماية وحدة الدولة وسيادتها ومؤسساتها. لكن الخطر لا يقتصر على المواجهة الداخلية، بل يكمن في الدعم العابر للحدود الذي قد يحول النزاع الإثيوبي إلى امتداد مباشر لحرب السودان.
مقاتلو تيغراي في حرب السودان
تقول مجموعة الأزمات الدولية إن القيادة الإثيوبية تشعر بغضب متزايد من الجيش السوداني، الذي تتهمه باستضافة آلاف المقاتلين المنتمين إلى تيغراي داخل المناطق الخاضعة لسيطرته. وتخشى أديس أبابا من استخدام هؤلاء الأراضي السودانية نقطة انطلاق للهجوم على إثيوبيا أو العودة إلى تيغراي للقتال ضد الحكومة الفيدرالية.
وتشير تقارير عديدة إلى أن فصائل من المقاتلين التيغرانيين ساعدت الجيش السوداني في حربه ضد قوات الدعم السريع، وأن أديس أبابا باتت تنظر إلى قيادة الجيش في بورتسودان باعتبارها جزءاً من محور إقليمي يعمل مع قوى إثيوبية مسلحة لإضعاف الحكومة الفيدرالية وزعزعة الاستقرار في إثيوبيا.
وكانت مقاطع فيديو انتشرت عقب استعادة الجيش السوداني مدينة ود مدني في يناير 2025 قد أثارت جدلاً بشأن مشاركة مقاتلين من تيغراي في العمليات. وظهر ضابط سوداني في أحد المقاطع وهو يشيد بمقاتلين إثيوبيين ويطالب سكان ولاية الجزيرة بتقدير دورهم، فيما استخدمت قوات الدعم السريع المقطع لاتهام الجيش بالاستعانة بمقاتلين أجانب.
وتكشف المفارقة حجم التناقض في خطاب قيادة الجيش السوداني؛ فهي تتهم خصومها باستقدام مقاتلين أجانب، بينما تواجه اتهامات مماثلة باستضافة وتسليح مقاتلين ينتمون إلى جماعات تسعى إلى إسقاط حكومة دولة مجاورة.
تصدير الحرب إلى تشاد
لم تقتصر مخاطر التوسع الإقليمي على الحدود الإثيوبية. ففي أغسطس، أدانت الولايات المتحدة ضربات جوية نُسبت إلى القوات المسلحة السودانية داخل الأراضي التشادية، محذرة من نقل الحرب إلى خارج السودان.
وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إن واشنطن تدين الضربات، مؤكداً أنه “لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، ولا يوجد أي مبرر لتوسيع نطاق العنف خارج حدود السودان”.
وجاء الموقف الأميركي بعدما اتهم الجيش التشادي في 20 أغسطس الماضي القوات السودانية وجماعات متحالفة معها بقصف قافلة مركبات داخل إقليم إنيدي الشرقي، على مسافة تجاوزت مئة كيلومتر من الحدود. ووضعت نجامينا قواتها في حالة تأهب، محذرة من أنها تحتفظ بحق الدفاع عن سيادة البلاد وسلامة أراضيها.
كما أعرب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف عن قلقه من الغارات التي وقعت داخل تشاد، مطالباً جميع الأطراف باحترام سيادة الدول وحرمة الحدود، والامتناع عن أي خطوات قد تؤدي إلى امتداد الصراع السوداني إقليمياً.
حرب تهدد جوار السودان
وحذر خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف “صمود”، في حديث إلى “سكاي نيوز عربية”، من أن الموقع الجغرافي للسودان وتداخله مع مناطق الساحل والقرن الأفريقي والبحيرات، فضلاً عن إطلالته على البحر الأحمر، يجعل استمرار الحرب عاملاً مباشراً لزعزعة الاستقرار الإقليمي.
وقال إن النزاع السوداني، رغم طبيعته الداخلية، يتداخل مع الأزمات المحيطة بالبلاد، مؤكداً أن “كل دول الجوار تؤثر وتتأثر بما يدور في الحرب في السودان”.
ويرى مراقبون أن قيادة الجيش السوداني، الخاضعة لنفوذ متزايد من الحركة الإسلامية (الإخوان)، لا تكتفي برفض الهدنة وإطالة الحرب في الداخل، بل تدفع نحو سياسة خارجية أكثر عدائية، تقوم على تحويل دول الجوار إلى ساحات امتداد للصراع وأوراق ضغط في معركة البقاء في السلطة.
ويعيد هذا النهج إنتاج سياسات النظام السابق، حين استخدمت الخرطوم الجماعات المسلحة والتدخل في أزمات الجوار لبناء نفوذ إقليمي، قبل أن يدفع السودان ثمن ذلك عزلة وعقوبات وحروباً داخلية ممتدة.
منع اتساع الحريق الإقليمي
تملك الحكومة الفيدرالية الإثيوبية حق حماية وحدة البلاد ومنع استخدام الحدود السودانية قاعدة لإسقاطها بالقوة. لكن حماية المنطقة تتطلب أيضاً منع جميع أشكال الدعم المتبادل بين أطراف الحرب السودانية والجماعات المسلحة الإثيوبية، وإخضاع الحدود لرقابة إقليمية ودولية فعالة.
كما يتعين على الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة ودول الإقليم الضغط لوقف تحركات الجماعات المسلحة ضد أديس أبابا، ووقف كافة التدخلات الخارجية، وفي الوقت نفسه إجبار قيادة الجيش في السودان على قبول هدنة فورية ووقف استخدام أراضي الدول المجاورة في العمليات العسكرية وتصدير العنف إليها.
فالحرب التي دمرت السودان بدأت تصدر إلى محيطه. ومن تشاد إلى إثيوبيا، تتسع دائرة الخطر كلما أصرت قيادة الجيش على الحسم العسكري، ورفضت السلام، وربطت بقاءها في السلطة باستمرار القتال.
وإذا لم يُوقف هذا المسار، فلن يبقى السودان وحده ساحة للحرب؛ بل ستتحول حدوده إلى خطوط اشتعال دائمة، وستجد المنطقة نفسها أمام صراع واسع تتداخل فيه الجيوش والميليشيات والدول. وعندها لن يكون السؤال كيف تنتهي حرب السودان، بل كيف يمكن إخماد حريق إقليمي تسهم سياسات قيادة الجيش وتحالفاتها العابرة للحدود في توسيع نطاقه، بدلا من إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.


