فبينما أعلن ترامب رفض العرض، أكد في الوقت نفسه رغبته في التوصل إلى اتفاق. وتتمسك طهران، في المقابل، برفع الحصار والعقوبات مقابل إعادة فتح المضيق ووقف الأعمال القتالية، مع بقاء الخلاف النووي دون تسوية.
وبين هذين الموقفين، تظل احتمالات تعديل المقترح واستمرار الضغط وتجدد الضربات مطروحة، دون إعلان قرار يحسم الخطوة المقبلة.
قال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض، يوم السبت: “أرفض مقترحهم (…) رفضت عرضهم”، مضيفا أن إيران تريد فتح مضيق هرمز فورا لأنها تتكبد، بحسب وصفه، “خسائر فادحة”، بينما تحقق الولايات المتحدة “انتصارات كبيرة”. لكنه أضاف: “يريدون إبرام اتفاق، وأعتقد أن ذلك جيد، فأنا أيضا أريد التوصل إلى اتفاق”.
ولم يوضح الرئيس الأميركي البنود التي يعترض عليها تحديدا. غير أن الجمع بين رفض المقترح والتمسك بإمكان الاتفاق يشير إلى أن الخلاف لا يزال يتعلق بشروط التسوية، وأن الإعلان لا يعني بالضرورة انتهاء المسار الدبلوماسي.
كما يوحي تركيزه على الخسائر الإيرانية بأنه يرى في استمرار الضغط فرصة لتحسين موقف واشنطن التفاوضي، وإن لم يعلن شروطا بديلة في تصريحاته.
ما الذي عرضته إيران؟
قدمت طهران مبادرتها خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ونقلتها إلى الجانب الأميركي عبر وسطاء قطريين، بحسب رويترز.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الموافقة عليها ستطلق عدا تنازليا مدته سبعة أيام لإعادة فتح مضيق هرمز ووقف الأعمال القتالية في المنطقة، بما يشمل لبنان.
في المقابل، تتطلب الخطة رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن أموال مجمدة، ورفع العقوبات النفطية، على أن تتبعها محادثات أوسع بشأن قضايا يتفق عليها الطرفان.
وأكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن المقترح وضع بالتنسيق مع المرشد مجتبى خامنئي، وأن بلاده مستعدة لتنفيذه إذا وافقت الولايات المتحدة وأوفت بالتزاماتها.
وهكذا، يرتبط فتح المضيق بتفاهمات تتجاوز الملاحة إلى العقوبات والعمليات العسكرية وأذرع أيران في المنطقة، ما يجعل ترتيب تنفيذ الالتزامات وضماناتها عنصرا أساسيا في أي تفاوض جديد.
هل يعود الوسطاء بصيغة معدلة؟
يبقى تعديل المقترح أحد المسارات المحتملة بعد الرفض، خصوصا أن ترامب لم يستبعد الاتفاق، وأن المناقشات عبر الوسطاء وصفت في وقت سابق بأنها “إيجابية وبناءة”، وفق مسؤول أميركي تحدث دون الكشف عن هويته.
وقد تتناول أي جولة جديدة توقيت إعادة فتح المضيق، وكيفية تخفيف الحصار والعقوبات، ونطاق وقف القتال، وما إذا كانت هذه الخطوات ستنفذ بالتزامن أو على مراحل.
لكن هذه احتمالات تفاوضية، وليست بنودا معلنة لعرض بديل. ولم تتضمن التصريحات الواردة إعلانا عن موعد جولة جديدة أو صيغة وافق الطرفان على مناقشتها.
حتى إذا أمكن تقريب المواقف بشأن هرمز ووقف القتال، يبقىالملف النووي خلافا رئيسيا لم يحسمه المقترح الإيراني.
فترامب يؤكد أن طهران لن تحصل على سلاح نووي، بينما قال مسؤول إيراني كبير لرويترز إن بلاده لن تتنازل عن تخصيب اليورانيوم أو توافق على شحن اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج، حتى إذا قبلت واشنطن اتفاق إنهاء الحرب.
وأعلن بزشكيان استعداد طهران لمحادثات بشأن برنامجها النووي وقضايا أخرى، لكنه رفض ما وصفه بـ”التنمر أو الإكراه”، مؤكدا أن إيران وافقت بالفعل على عدم تطوير أسلحة نووية.
وتوضح هذه المواقف أن العودة إلى المحادثات لن تعني تلقائيا تجاوز الخلافات بشأن التخصيب والمخزون النووي والضمانات المطلوبة.
الضغط مستمر
المسار الآخر هو استمرار المواجهة الاقتصادية بالتوازي مع الاتصالات الدبلوماسية. فالولايات المتحدة تفرض حصارا على الموانئ الإيرانية، فيما تواصل القيود على العبور في هرمز تعطيل حركة الملاحة وإمدادات الطاقة.
وقد يطيل هذا الوضع أمد التفاوض، لكنه يبقي كلفة الأزمة قائمة على دول المنطقة والتجارة العالمية، بعد نحو 7 أشهر من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير بهجمات أميركية وإسرائيلية.
أما احتمال تجدد الضربات، فقد برز في تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”، نقل عن مسؤولين أميركيين أن ترامب يشكك في استعداد إيران لتلبية مطالبه، وأبلغ مساعديه بترجيحه استئناف حملة القصف بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
ولا يمثل ما نقلته الصحيفة قرارا عسكريا معلنا أو جدولا زمنيا مؤكدا، لكنه يضع خيار التصعيد ضمن الاحتمالات التي تحيط
بالمفاوضات.
ما الذي سيحدد الاتجاه؟
ستكشف الاستجابة الإيرانية للرفض، وما قد ينقله الوسطاء من مطالب أميركية محددة، ما إذا كانت هناك مساحة لتعديل العرض أم أن الطرفين يتجهان إلى مزيد من التشدد.
وسيكون الإعلان عن محادثات جديدة أو خطوات متبادلة بشأن الملاحة والحصار مؤشرا على استمرار المسار التفاوضي. وفي المقابل، فإن تجدد الضربات أو توسيع القيود سيزيد صعوبة الوصول إلى تفاهم.
حتى الآن، رفض ترامب المقترح وأبقى رغبته في الاتفاق معلنة. ويبقى السؤال العملي أمام واشنطن وطهران: ما الذي يمكن أن يقدمه كل طرف أولا، وبأي ضمانات، لفتح الطريق أمام وقف القتال؟


