ورغم استئناف المستشفى نشاطه لاحقا بعد تسوية الأزمة المالية مع هيئة الصرف الصحي، فإن مئات المرضى حرموا من تلقي العلاج خلال فترة الإغلاق، ما أثار موجة واسعة من التساؤلات حول أولويات الإنفاق الحكومي في بلد يعيش واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والاقتصادية.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن المدير العام لهيئة الصرف الصحي أن قرار الإغلاق جاء بعد امتناع إدارة المستشفى عن سداد رسوم الخدمة لمدة خمسة أشهر.
وأكدت إدارة المستشفى لاحقا إعادة فتح شبكة الصرف الصحي واستئناف العمل بصورة طبيعية، لكنها شددت على أن حياة المرضى يجب أن تبقى فوق أي اعتبارات مالية أو إدارية، خاصة أن المستشفى يستقبل يومياً مئات المرضى من مختلف أنحاء السودان، بينهم أطفال وحالات حرجة لا تحتمل تأخير العلاج أو توقفه.
نقص حاد في العلاج
تأتي الحادثة في وقت تعاني فيه مستشفيات علاج الأورام من نقص حاد في الأدوية الكيماوية ومستلزمات العلاج ونقل الدم.
وتشير تقديرات طبية إلى أن العجز في الأدوية والمحاليل الأساسية تجاوز 90 بالمئة، ما دفع بعض المراكز العلاجية إلى تقليص جرعات العلاج الكيميائي، الأمر الذي يهدد حياة آلاف المرضى ويقلل فرص استجابتهم للعلاج.
كما شهدت أسعار بعض الأدوية المستخدمة في علاج السرطان ارتفاعات تجاوزت عشرة أضعاف خلال الفترة الأخيرة، في ظل صعوبات متزايدة في الاستيراد والتوزيع.
ويقول أطباء يعملون في القطاع الحكومي إنهم يواجهون ظروفاً بالغة التعقيد، حيث يقتصر دورهم في كثير من الأحيان على التعامل مع المضاعفات وتخفيف الآلام بسبب غياب الجرعات العلاجية الأساسية.
مستشفيات على حافة الانهيار
ووفقاً للطبيب “م.ح”، العامل في أحد المستشفيات الحكومية بالخرطوم، فإن أزمة مستشفى الذرة ليست استثناءً، بل تعكس واقعاً متكررا في مؤسسات صحية تعاني من نقص التمويل والخدمات الأساسية.
ويقول لسكاي نيوز عربية إن انقطاع الكهرباء والمياه لساعات طويلة أصبح أمرا معتادا في عدد من المستشفيات، ما يعرض المرضى، خصوصا المنومين منهم، لمخاطر صحية جسيمة قد تنتهي بالوفاة في بعض الحالات.
ويضيف أن الأجور المتدنية للعاملين ونقص وسائل الحماية والمعدات الطبية يزيدان من تعقيد المشهد الصحي في البلاد.
ارتفاع مقلق للإصابات
بالتوازي مع تراجع الخدمات الصحية، تشير بيانات طبية إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان خلال السنوات الأخيرة، في ظل التدهور البيئي المرتبط بالحرب واتساع أنشطة التعدين العشوائي.
وتفيد بيانات اطلعت عليها سكاي نيوز عربية بأن مركزي علاج أورام الأطفال الرئيسيين في البلاد يستقبلان ما بين ألفي وألفين وخمسمئة طفل شهريا.
وكانت استشارية أورام الأطفال ندى عثمان يوسف قد حذرت في تصريحات سابقة من “وضع مأساوي” يواجه مرضى السرطان بسبب النقص الحاد في الأدوية والجرعات العلاجية.
كما أدى شح الأدوية إلى تنشيط السوق السوداء، وسط مخاوف متزايدة بشأن مصادر الأدوية المتداولة وسلامتها.
اقتصاد الحرب وأولويات الإنفاق
ويرى الخبير الاقتصادي عمر سيد أحمد أن إغلاق مستشفى متخصص في علاج السرطان بسبب فاتورة صرف صحي يعكس أزمة أعمق تتعلق بأولويات الإنفاق في ظل اقتصاد الحرب.
ويقول لكاي نيوز عربية إن الحادثة تمثل أحد مظاهر الاختلال في توزيع الموارد العامة، مضيفا أن استمرار الإنفاق على الامتيازات والمخصصات الحكومية بالتوازي مع تراجع تمويل القطاعات الحيوية يثير تساؤلات كبيرة حول إدارة الموارد المحدودة.
ويضيف أن الحرب أفرزت شبكات مصالح اقتصادية واسعة، بينما تُترك الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم لمواجهة أزمات متفاقمة في التمويل والتشغيل.
ويخلص إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بندرة الموارد، بل أيضاً بطريقة توزيعها وتحديد أولويات استخدامها، في وقت يدفع فيه المواطنون الثمن من صحتهم ومعيشتهم اليومية.


