وبينما تتحدث واشنطن عن مخاطر اختلال ميزان القوى وتهديد الاستقرار الإقليمي، ترى بكين أن الخطاب الأميركي يعكس أزمة هيمنة أكثر منه دفاعاً عن الأمن الدولي.
هذا التباين الحاد في توصيف المشهد الاستراتيجي برز بوضوح خلال النقاش الذي جمع الصحفي المتخصص في الشؤون الصينية والدولية إلهام لي، ورئيس المجلس الاستشاري بجامعة ماريلاند فرانك مسمار، ضمن برنامج “رادار” على سكاي نيوز عربية، حيث قدّم كل طرف قراءة مختلفة لطبيعة التمدد الصيني وحدود النفوذ الأميركي في آسيا والعالم.
بكين ترفض اتهامات الهيمنة
إلهام لي اعتبر أن الاتهامات الأميركية للصين ليست جديدة، بل تمثل نهجا مستمرا في السياسة الأميركية تجاه بكين، سواء في الماضي أو الحاضر أو حتى المستقبل. وبرأيه، فإن الحديث الأميركي عن “هيمنة صينية محتملة” في آسيا يفتقر إلى التوازن عند مقارنته بالانتشار العسكري الأميركي الواسع في منطقة آسيا ـ الباسيفيك، إضافة إلى التحالفات والصفقات العسكرية التي تربط واشنطن بعدد كبير من دول المنطقة.
وأشار إلى أن الصين بالفعل تعمل على تعزيز قدراتها العسكرية، خصوصاً في محيطها الجغرافي المباشر، إلا أن ذلك ـ وفق توصيفه ـ لا يعني وجود مشروع صيني للهيمنة.
واستند في ذلك إلى أن بكين لا تنخرط في تحالفات عسكرية، كما أنها تعتمد، منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، مبادئ “التعايش السلمي” مع دول الجوار، معتبراً أن هذا النهج يختلف جذرياً عن السياسات العسكرية والخارجية الأميركية.
تقلص الفجوة العسكرية يثير قلق واشنطن
وربط لي تصاعد القلق الأميركي بالتغير الكبير الذي طرأ على ميزان القوة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة. فبعدما كانت الفجوة العسكرية شاسعة بين الجيشين الأميركي والصيني، باتت اليوم ـ بحسب وصفه ـ أقل اتساعا مع النمو الاقتصادي الصيني وتعاظم نفوذ بكين العالمي.
وأوضح أن هذا التحول لم يقتصر على زيادة الإنفاق العسكري، بل شمل تطوير منظومة صناعات عسكرية متكاملة، وتعزيز قدرات الدفاع الجوي، إضافة إلى تطوير إمكانات مواجهة حاملات الطائرات الأميركية. واستشهد بامتلاك الصين حالياً ثلاث حاملات طائرات، بعد أن كانت تفتقر تماماً إلى هذا النوع من القدرات قبل عقود.
ورأى أن هذا التطور يفسر جانبا من المخاوف الأميركية، لكنه شدد في المقابل على أن بكين تنظر إلى تعزيز قدراتها العسكرية باعتباره استجابة مباشرة لمخاوفها من التدخلات الأميركية، خصوصاً في ملف تايوان الذي وصفه بأنه “القضية الرئيسية الصينية”.
تايوان.. العقدة الأخطر في العلاقة الثنائية
شكّل ملف تايوان محورا مركزيا في مداخلات الطرفين، وإن اختلفت مقاربتهما لطبيعته وخلفياته.
إلهام لي اعتبر أن السياسة الأميركية تتسم بالغموض، مشيرا إلى ما وصفه بـ”التصريح الخطير” للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول رغبته في التواصل هاتفيا مع زعيم سلطات تايوان، معتبرا أن مثل هذا السلوك لم يحدث منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وبكين.
وأكد أن الحكومة الصينية تعتبر تايوان جزءا لا يتجزأ من أراضيها، وأن هذه القضية تمثل أحد “الخطوط الحمراء” المتعلقة بالسيادة الصينية، لافتا إلى أن الرئيس الصيني وجّه تحذيرا شديد اللهجة لترامب خلال زيارته الأخيرة.
في المقابل، رأى فرانك مسمار أن قضية تايوان لا يمكن اختزالها بالولايات المتحدة وحدها، معتبراً أن جذور الملف تعود إلى حقبة الاستعمار البريطاني وحروب الأفيون، وأن واشنطن “ورثت” هذا الواقع الجيوسياسي ولم تنشئه من الأساس.
أميركا تخشى “فرط التمدد”
من جانبه، قدّم فرانك مسمار قراءة مختلفة للتحركات الأميركية، معتبرا أن ما يجري ليس “مخاوف” بقدر ما هو سلوك طبيعي بين القوى الكبرى. وبرأيه، فإن الصين تسعى بطبيعة الحال إلى توسيع نفوذها داخل إقليمها، تماماً كما تفعل أي قوة دولية كبرى.
وأوضح أن الولايات المتحدة استخلصت دروسا تاريخية من انهيار الإمبراطوريات القديمة نتيجة “فرط التمدد”، ولذلك تعمل على توزيع الأعباء العسكرية والمالية على الحلفاء، كما يحدث داخل حلف الناتو، بهدف تخفيف الضغط عن الجيش الأميركي وتقليل الانعكاسات الاقتصادية، خاصة في ظل ارتفاع المديونية الأميركية.
ورغم ذلك، أكد أن واشنطن ما تزال حريصة على الحفاظ على وجودها في المناطق الاستراتيجية الحساسة حول العالم، باعتبار أن السيطرة على “نقاط الاختناق” تمثل أساس النفوذ الدولي تاريخياً.
صراع النفوذ.. أدوات مختلفة والهدف واحد
مسمار اعتبر أن الصراع القائم لا يتعلق بالأخلاق السياسية بقدر ما يرتبط بالقدرة والسيطرة والنفوذ. واستعاد نماذج تاريخية من الإمبراطوريات السابقة، مثل بريطانيا وفرنسا، معتبراً أن الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على مكانتها العالمية دون الوقوع في فخ “الاستعمار المفرط” الذي قاد تلك الإمبراطوريات إلى الانهيار.
وفي قراءته لطبيعة المنافسة الحالية، رأى أن الصين والولايات المتحدة تتحركان ضمن الفكرة ذاتها، لكن بأدوات مختلفة؛ فواشنطن تعتمد على القوة العسكرية والانتشار الأمني، بينما تستخدم بكين أدوات “السياسة الناعمة” من خلال الاستثمار، واستئجار الأراضي، وتطوير الموانئ والمشاريع الاستراتيجية في مناطق مختلفة من العالم، من غرينلاند إلى أميركا الجنوبية وبنما.
أفريقيا.. ساحة مقارنة بين النموذجين
وفي سياق الدفاع عن المقاربة الصينية، استشهد إلهام لي بتنامي التأييد للصين داخل القارة الأفريقية، معتبراً أن بكين كسبت حضورها عبر بناء المشاريع الكبرى والجسور والمطارات، بينما تساءل عمّا قدمته الولايات المتحدة لتلك الدول بالمقارنة.
كما شدد على أن الصين تسعى إلى بناء عالم متعدد الأقطاب وتحقيق “توازن جديد” القوى المختلفة في الصين، بعيدا عن منطق الحروب والصراعات الذي حكم القرون السابقة، مؤكداً أن بكين تركّز داخلياً على القضاء على الفقر، وتسعى خارجيا إلى تحقيق “الفوز المشترك” مع الدول الأخرى.


