يأتي هذا في ظل انتشار هؤلاء المهاجرين في المدن واستيلائهم على عدد من الممتلكات الخاصة بعد تمركزهم في مزارع الزيتون والضيعات في صفاقس وجرجيس وفي الحدائق العامة في مناطق مختلفة من البلاد.
وتتعلق مخاوف التونسيين بانتشار الآلاف من المهاجرين غير النظاميين في البلاد وسط ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة تنضاف إليها شكوك حول إمكانية تغير التركيبة الديمغرافية للمجتمع بسبب ارتفاع عدد الولادات في صفوف المهاجرين مقابل تراجع النمو الديمغرافي ومعدلات الخصوبة في تونس إلى أقل من 2 بالمائة وفق مؤشرات رسمية لمعهد الإحصاء.
عنف واعتداءات وولادات خارج الإحصاء
تؤكد النائبة في البرلمان عن محافظة صفاقس فاطمة المسدي أن خصوبة المهاجرات تتجاوز بثلاث مرات معدل خصوبة التونسيات مما يثير مخاوف جدية من تغير التركيبة السكانية في البلاد، وبحسب المسدي فإن التوقعات تشير إلى أن المهاجرين سيمثلون 5 بالمائة من سكان المحافظة خلال ال 10 سنوات القادمة و18 بالمائة بحلول عام 2040، فضلا عن تكبد الدولة لقرابة 70 مليون دينار سنويا كلفة معيشة وإيواء لوفود المهاجرين غير النظاميين.
وبدوره قال النائب طارق المهدي في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية” إن أفواج المهاجرين العائدين طوعيا إلى بلدانهم لا تمثل إلا نسبة قليلة من الآلاف المنتشرين في تونس، وأغلبهم يشتغلون في المقاهي والمطاعم في تحدي صارخ للقانون فيما يتورط الكثير منهم في الاعتداءات اليومية والهجمات المسلحة بالأسلحة البيضاء على منازل التونسيين مضيفا أن الخطر الإستراتيجي هم أطفالهم الذين يولدون كل يوم داخل التراب التونسي دون نسب ودون تعداد دقيق.
ودعا النائب السلطات إلى التدخل الميداني العاجل لإخلاء المناطق التي يسيطر عليها المهاجرون غير النظاميين وتفكيك المخيمات وتحرير الأراضي الزراعية وإرجاعها إلى أصحابها، ثم اعتماد خيار أمني بترحيلهم بكل الوسائل والقطع مع الحلول الترقيعية واعتماد سياسة الصرامة القصوى، وفق تعبيره، كما يقترح المهدي إحداث وحدات أمنية مكرسة حصرياً لمكافحة الهجرة غير النظامية و العالم نيوزالتهديدات وتوفير المعلومات لدعم القرار الوطني.
يشار إلى أن النائب طارق المهدي واجه حملة واسعة من الاتهام بالعنصرية بعد تصريحاته المتكررة تحب قبة البرلمان المنددة بالوضع غير القانوني للمهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
قوة عمل مهمة
وخلافا لذلك، يرى أستاذ الديمغرافيا بالجامعة التونسية حسان قصار أن “التخوف من تنامي أعداد المهاجرين لا مبرر له”، معتبرا أن “وجودهم لا يشكل تهديدا للتركيبة الديمغرافية حتى إن تجاوزوا ال 100ألف، بل إنهم قوة عمل مهمة جدا في المجتمع تحتاجها البلاد في مجالات البناء والزراعة والخدمات”، داعيا إلى معاقبة كل من يتبنى خطابا عنصريا ضد المهاجرين.
ويضيف أستاذ الديمغرافيا في تصريحات للموقع ” التونسيون ليسوا شقرا ولا خوف على لون بشرتهم فنحن بلد مختلط يعيش فيه الأمازيغ والعرب والسردانيين وأفارقة جنوب الصحراء وهذا الخليط طبيعي في مجتمعنا”.
السلطات بين الردع الأمني والمقاربة الإنسانية
من جهة أخرى أستحدثت وزارة الداخلية التونسية مخيم “كلم 21” بمنطقة العامرة من محافظة صفاقس لتجميع المهاجرين غير النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في إطار الحماية الإنسانية والإغاثة في انتظار تأمين عودتهم إلى بلدانهم، كما عملت قوات الأمن على إزالة المخيمات العشوائية ومنع تشغيلهم.
وتحرص تونس في إدارتها لهذه الأزمة على البعد الإنساني من خلال الترحيل الطوعي بالتعاون مع المنظمات الدولية للهجرة، وبالتنسيق مع دول جنوب الصحراء، مع العمل على تعزيز أمن حدودها البرية والبحرية وتفكيك شبكات التجارة بالأشخاص التي تستغل أوضاع المهاجرين.
الجدير بالذكر أن أغلب المهاجرين دخلوا تونس عبر الحدود البرية قادمين من الجزائر وليبيا.
حيث تنشط شبكات التهريب والاتجار بالبشر على إدخال الآلاف منهم بطرق غير قانونية عبر السيارات والشاحنات أو حتى سيرا على الأقدام وتقديم الوعود بتمكينهم من عبور البحر انطلاقا من السواحل التونسية نحو أوروبا، بينما تتولى السلطات التونسية بناء على اتفاق سابق مع الاتحاد الأوربي على صد موجات المهاجرين غير النظاميين ومنعهم من الوصول إلى السواحل الأوروبية عبر الإبحار خلسة.
تعاطف إنساني ورفض للتوطين
ينقسم موقف الشارع التونسي اليوم في ملف المهاجرين بين التعاطف معهم والتخوف من تداعيات وجودهم الصحية والاقتصادية والاجتماعية فيما يعتبرهم الخطاب الرسمي مهاجرين غير قانونين يحتاجون الدعم الإنساني دون توطينهم في أراضي تونسية.
ويرى المحلل السياسي صهيب المزريقي في تصريحات للموقع أن “تونس أحسنت إدارة الملف إنسانيا وقانونيا وسياسيا، فعلى المستوى الإنساني إعتبرت أن المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء هم ضحايا نظام عالمي إستعماري بني على سرقة مقدرات الشعوب الإفريقية وإستغلال ثرواتها ما دفع بهم للهجرة ومغادرة بلدانهم ومن هذا المنطلق تعاملت تونس بمنطق إنساني ولم تقم بتهجيرهم قسريا ولا الإعتداء الجسدي عليهم عبر التخدير أثناء ترحيلهم كما تفعل بعض الدول التي تدعي تقدمها”.
أما على المستوى القانوني فقد احترمت تونس القوانين الدولية لحقوق الإنسان والإتفاقيات العالمية لحماية المهاجر غير النظامي التزمت بتقديم الرعاية الإنسانية وإحترمت إتفافية جنيف لسنة 1951 بعدم الرد القسري وذهبت في الرد الطوعي الذي نجحت فيه إلى حد ما، أما على المستوى السياسي فذهب الموقف السيادي إلى أولوية حماية الأمن القومي التونسي وعدم اعتبار تونس أرضا للتوطين أو محطة للعبور والتأكيد على أنها لا تلعب دور المشارك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الإتجار بالبشر.
ويخلص المزريقي إلى أن ملف الهجرة لا يزال شائكا ومعقدا خاصة على المستوى الأمني والإجتماعي أمام إرتفاع عدد الجرائم التي يقف وراء المهاجرين غير النظاميين من سرقة وسلب لأملاك المواطنين وإقتحام لمحلات سكناهم وتورط في أحداث الشغب داخل شوارع تونس إلى جانب تعمد بعضهم إفتكاك أراضي فلاحية مع قطع أشجار مثمرة وزياتين من أجل إرساء مخيمات بالقوة في حوادث أدت أحيانا لقتل مواطنين تونسيين، بما يستوجب تسريع الدولة في تحقيق التوازن بين السيادة الوطنية وحماية ممتلكات الشعب من جهة ومراعاة البعد الإنساني والقانون الدولي من جهة أخرى.


