وفي منطقة اقتصادية خاصة تسمى ألابوغا، بنيت عشرات المبان والمساكن لآلاف العمال الذين يعملون في خطوط الإنتاج التي تعمل على مدار اليوم دون توقف لملء خزائن الكرملين من مسيرات “شاهد”.
وكانت المنطقة الاقتصادية تنتج نحو 10 طائرات مسيرة من طراز “شاهد 136” يوميا، أما اليوم فقد ارتفع الرقم إلى 440 طائرة يوميا. غير أن موسكو لم تكن لتصل إلى هذا الإنتاج اليومي لولا الصين، وفقا لصحيفة التلغراف البريطانية.
وزودت بكين روسيا بمعظم المكونات اللازمة لبناء طائرة “شاهد”، بما في ذلك الرقائق الإلكترونية الدقيقة التي تعمل كدماغ للطائرة المسيّرة، وفق الصحيفة.
وساهم الدعم الصيني لروسيا في تحطيم هذه الأخيرة لأرقام قياسية في إنتاج الطائرات المسيّرة وتنفيذ هجمات ضد أوكرانيا.
بكين الداعم الأول لروسيا
وقال سبنسر فاراغاسو، الباحث البارز في معهد العلوم والأمن الدولي: “الصين هي فعليا الداعم الأول للمجمّع الصناعي العسكري الروسي”.
وأضاف: “لقد مكنت روسيا، وقدّمت لها الوسائل اللازمة لصناعة أسلحتها. ومن وجهة نظري، فإن الصين جزء من هذه الحرب بشكل كامل، ولا يمكنها أن تنأى بنفسها عنها”.
يستيقظ الأوكرانيون كل صباح على صوت مسيّرات “شاهد”، التي يسمونها “الدراجة النارية الطائرة”، وهي تبحث عن أهدافها.
ولا تكلف طائرات “شاهد” سوى بضعة آلاف من الدولارات، ما يسمح بإنتاجها بالآلاف، كما أنها بطيئة، ما يسمح لها بالتحليق على ارتفاع منخفض لتفادي الرادارات. وصممت خصيصا لإغراق الدفاعات الجوية الأوكرانية وإرباك أنظمة الاعتراض، حتى تتمكن الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز التي ترافقها من الوصول إلى أهدافها دون اعتراض.
وأطلقت روسيا أكثر من 8 آلاف طائرة من هذا النوع خلال الشهر الماضي وحده، وهو أعلى معدل منذ بدء الحرب في فبراير 2022.
من طهران إلى ألابوغا
وبعد بداية الحرب بأيام قليلة، كانت موسكو تتجه إلى طهران لشراء طائرات “شاهد” جاهزة.
وبحلول عام 2023 بدأت ألابوغا إنتاجا محليا للمسيّرات باتفاق مع إيرن، وصنعت في ذلك العام نحو 2738 طائرة، بمعدل 256 مسيرة شهريا.
وبعد ثلاث سنوات، تقدر القدرة الإنتاجية القصوى للمصانع المحلية الروسية ما بين 5000 و5500 طائرة شهريا.
العالم نيوزمكونات صينية في “شاهد”
وبحسب تحليل أنقاض طائرات “شاهد” التي استعادتها القوات الأوكرانية، تبين أن الغالبية الساحقة من مكوناتها تأتي من الصين، غير أن بكين أخفت بيانات التجارة مع روسيا عمدا لإخفاء ذلك، وفق فاراغاسو.
وقال:”لقد قمنا بتحليل بيانات التجارة، إلى جانب وثائق من ألابوغا ومعلومات مفتوحة المصدر حول طائرات شاهد المستعادة، ولم نجد فقط أن عددا كبيرا من المكوّنات الغربية يُستخدم، بل إن الغالبية العظمى من المكونات أصبحت الآن تأتي من الصين”.
وأضاف: “كما لاحظنا جهدا ممنهجا من جانب الصين لتنظيف بيانات التجارة، ومن جانب روسيا لإخفاء أو تمويه تدفق هذه السلع، مما يجعل تتبع ما يتم نقله فعليًا أكثر صعوبة”.
ويعتقد معهد الأبحاث العلمية التابع للاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن 65 بالمئة من المكونات المستخدمة في ألابوغا مصدرها الصين.
تفاصيل الدعم الصيني لمسيرات موسكو
ورغم تأكيد بكين أنها لم تزود روسيا بمعدات عسكرية مباشرة، إلا أنها زودتها بكل ما يلزم لتصنيع تلك المعدات، بما في ذلك أشباه الموصلات، والدوائر المنطقية القابلة للبرمجة (FPGAs)، وألياف الكربون، والبطاريات، والهوائيات، والمكونات الإلكترونية، وفي بعض الحالات خطوط إنتاج كاملة لهياكل الطائرات المسيرة.
وتُعد شرائح FPGA أهم جزء في طائرات “شاهد”، إذ تعمل بوصفها “دماغ” السلاح. فهذه الشرائح عبارة عن رقائق إلكترونية قابلة لإعادة البرمجة تتحكم في الملاحة والطيران والتوجيه والاستهداف، ويمكن تحديثها ببرمجيات جديدة حتى بعد خروج الطائرة من المصنع.
ولم تقتصر مساهمة المكونات الصينية على إبقاء خطوط الإنتاج تعمل، بل ساعدت أيضا في تطوير القدرات التقنية للطائرات نفسها.
فالنسخ الأحدث من “شاهد” تتمتع بمدى أطول، وبصمة رادارية أقل، وأنظمة تشويش مضادة أكثر تطورا، وهي تحسينات يقول محللون إنها لم تكن ممكنة دون الوصول إلى الإلكترونيات الصينية والرقائق القابلة للبرمجة.
كما ساعدت المكونات الصينية منخفضة التكلفة على خفض سعر الطائرة الواحدة من نحو 20 ألف دولار عندما كانت روسيا تشتريها من إيران عام 2022، إلى ما بين 7 آلاف و10 آلاف دولار بعد إنشاء الإنتاج المحلي في ألابوغا.
وقالت كارولينا هيرد، الباحثة في شؤون الأمن القومي بمعهد دراسة الحرب: “إن منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة تمثل حقا مركز التعاون بين ما نطلق عليه اسم ‘تحالف الخصوم’، وهو تجمع فضفاض من الدول المتشابهة في التوجهات، يضم روسيا وإيران وكوريا الشمالية والصين”.
وقال مسؤولون أوكرانيون ومحللون مستقلون إن إنتاج روسيا للطائرات المسيّرة قد يصل إلى 10 آلاف وحدة شهريًا بحلول نهاية العام، ما لم يتحرك الغرب لتقييد المكوّنات الصينية التي تدعم الجهود الروسية، أو تمكين أوكرانيا من استهداف المصنع الذي تخرج منه كل تلك الأسراب.


