آصف ملحم، مدير مركز جي إس إم للدراسات الاستراتيجية، لم يقدم في حديثه للتاسعة على سكاي نيوز عربية تحليلا عادياً؛ بل رسم خريطةً لمرحلة جديدة من الصراع تتداخل فيها الجغرافيا والتكنولوجيا والحسابات النووية في صورة لم تشهدها أوروبا منذ عقود.
المسيرة تتفوق على المدفع
وصف ملحم المشهد الميداني بأننا “وصلنا إلى طريق مسدود على الجبهة”، مؤكداً أن التقدم الروسي “معدوم تقريباً على كل محاور الجبهة منذ فترة طويلة”، ومشيرا إلى أن ثمة “حرباً من نوع جديد” باتت تفرض نفسها على مجريات الصراع.
وفي مقاربة تحليلية لافتة، أكد ملحم أن المسيرات “أصبحت أقوى من المدافع وأقوى من الصواريخ القصيرة المدى وصواريخ غراد وغيرها”، موضحاً أن هذه المعادلة الجديدة “بدأت تفرضها أوكرانيا على روسيا”.
والأخطر من ذلك في تقديره، أن وصول المسيرات الأوكرانية إلى مدينة فلاديمير الواقعة على بعد 300 كيلومتر شمال شرق موسكو، يكشف أن “أوكرانيا أصبح عندها القدرة على ضرب مناطق حساسة وحرجة تقريباً في كل الجغرافية الروسية”.
أوريشنيك وتسيركون.. أسلحة قيد الاختبار تعلن مرحلةً جديدة
ربط ملحم بين الاستخدام الروسي لصاروخ أوريشنيك الباليستي وخطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام خريجي برنامج “زمن الأبطال” في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، معتبرا أن هذا الخطاب “يذكرنا تماما بخطابه عندما أعلن الحرب على أوكرانيا”، وهو ما يشير في رأيه إلى “أننا حقيقة أمام مرحلة جديدة”.
وفيما يخص صاروخ أوريشنيك تحديدا، أوضح ملحم أنه “تم وضعه قيد التسليح في الجيش الروسي، ولكنه ما زال يخضع للتجربة”، مستنتجاً أن هذا الواقع “يدل على أننا في المرحلة المقبلة قد نشهد ضربات ليس فقط ضد أوكرانيا”.
وتوسع ملحم في شرح خصائص صاروخ تسيركون الذي يطلق من الغواصات والسفن، مؤكداً أنه “لا يمكن اعتراضه بالمدفعيات الجوية بأي شكل من الأشكال على الإطلاق”، نظراً لسرعته الخارقة التي تشكل حوله “طبقة من البلازما تمنع أمواج الرادارات من الارتداد عنه”، مما يجعل كشفه “مستحيلا تقريباً”.
وفي هذا السياق الجديد، رأى ملحم أن “الموضوع وكأننا أمام تحضير حقيقي لحرب مباشرة مع الناتو”.
جبهات جديدة تتشكل على أطراف الكتلة الروسية الصينية
انتقل ملحم في تحليله إلى أبعاد إقليمية أوسع، مؤكداً أن “هناك سعياً أميركياً لتحضير منطقة جنوب القوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى لكي تكون منطقة ساخنة في مواجهة الكتلة الجديدة التي تتشكل في المشرق، تحديداً روسيا والصين”.
واستند ملحم في تحليله إلى مؤشرات ميدانية دالة، من بينها ما وصفه بـ”إعادة صياغة الوعي في آسيا الوسطى وإعادة التغييرات في النخبة الحاكمة” في تلك المنطقة، مما يعد في رأيه جزءاً من مسار أشمل لجعل تلك المنطقة “نقطة مواجهة مع روسيا والصين”.
وفي معرض حديثه عن الملف الإيراني، اعتبر ملحم أن “الحرب في إيران هي جزء أيضاً من المواجهة مع الولايات المتحدة”، طارحا سؤالا مفتوحاً: هل ستكون حرب إيران المحتملة “فرصة لروسيا أم نقطة استنزاف جديدة لها؟“، مؤكداً أن الإجابة تعتمد على المتغيرات في المستقبل وكيفية إدارة هذه الحرب.
كذلك توقف ملحم عند الخلاف الأوروبي الأمريكي حول إيران، مشيرا إلى أنه قد تعاد صياغته بطريقة جديدة، وأنه رغم عدم موافقة بعض الدول الأوروبية على حرب ضد إيران، إلا أن ثمة إمكانية للتوافق الغربي في مواجهة روسيا.
الجمود يخدم أصحاب القرار الحقيقي في واشنطن وأوروبا
في قراءة لافتة للمشهد السياسي الأميركي، أكد ملحم أن من يدعم الحرب في أوكرانيا يريد لها الاستمرار على هذا الشكل، مضيفاً أن استمرار الحرب بهذه الطريقة هو منفعة لمن يدعم هذه الحرب، سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا.
وذهب ملحم إلى أبعد من ذلك، حين أكد أن السياسة الخارجية الأميركية لا يجب أن تفهم على أنها قرار للرئيس ترامب، مشيراً إلى أن من يسوق هذه السياسة هي الدولة العميقة، أو مجموعة من المؤسسات العسكرية والنفطية ومراكز القوة والقرار داخل الولايات المتحدة.
وأمام هذا الجمود الشامل، رأى ملحم أن الحل يكمن في أن تقوم روسيا بضربة معينة تدعو أولئك الذين يدعمون الحرب إلى اللجوء إلى صوت العقل والحكمة، مستعرضا خيارات تتردد في الأوساط الاستراتيجية: من ضرب مطار جيشوف في بولندا الذي يستخدم لتزويد أوكرانيا بالأسلحة، إلى استهداف مراكز في رومانيا، أو حتى ضرب بريطانيا بشكل مباشر، غير أنه نبه إلى أن ضرب الولايات المتحدة والمصالح الأميركية بشكل مباشر قد يقود إلى حرب نووية.
وختم ملحم تحليله بتحذير صريح، مستنداً إلى التدريبات النووية التي جرت مع بيلاروسيا وخطاب بوتين الأخير، بقوله إن كل هذه المؤشرات تؤكد على أننا قادمون إلى ضربة من هذا النوع.


