وقال ممثل سلطة بورتسودان، عمار محمود، في بيان ألقاه أمام اللجنة السادسة، الجمعة، خلال مناقشة البند 165 المتعلق بتقرير لجنة العلاقات مع البلد المضيف، إن رفض الإدارة الأميركية إصدار التأشيرة حال دون مشاركة البرهان في اجتماعات الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة في سبتمبر، معتبراً ذلك إخلالاً باتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947.
لكن القضية، بحسب مراقبين، لا تتعلق بتأشيرة سفر عادية، ولا بحق شخصي لقائد الجيش السوداني في الوصول إلى نيويورك؛ بل بمواجهة بين التزامات الدولة المضيفة من جهة، وما تعتبره واشنطن حقها في منع استخدام أراضيها ومنبر الأمم المتحدة لمنح الشرعية السياسية لقائد عسكري معاقب دولياً، أقام سلطته بالقوة ويواصل من خلالها حرباً مدمرة.
رئاسة بلا شرعية
تقدّم سلطة بورتسودان البرهان باعتباره “رئيس مجلس السيادة الانتقالي” وممثلاً شرعياً للسودان. لكن شرعية هذه الصفة انتفت بانقلابه، في 25 أكتوبر 2021، على الوثيقة الدستورية الحاكمة والسلطة المدنية الانتقالية التي استمد منها منصبه؛ فلا يجوز له أن يستند إلى الوثيقة ذاتها لاكتساب الشرعية بعدما انقلب عليها وعطّل مؤسساتها.
وأطاح الانقلاب، الذي نفّذه البرهان بمشاركة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، قائد قوات الدعم السريع، بالشراكة المدنية/العسكرية الانتقالية التي نشأت عقب ثورة ديسمبر؛ فاعتُقل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك وعدد من المسؤولين المدنيين، وجُمّدت مؤسسات الانتقال، وأُعيد القرار السياسي والأمني إلى قيادة الجيش. ومنذ ذلك الحين، لم يحصل البرهان على أي تفويض انتخابي، ولم يقد مساراً انتقالياً يعيد السلطة إلى المدنيين.
وقال الناشط السياسي السوداني المقيم في الولايات المتحدة، فيصل محمد نور، لـ”سكاي نيوز عربية”: “البرهان ليس رئيساً للسودان، بل جنرال انقلابي أطاح بثورة السودانيين وبحكومة مدنية اختاروها لقيادة الانتقال. وهو يسعى إلى الوصول إلى الأمم المتحدة كي يظهر أمام العالم باعتباره رئيس دولة، ويستخدم صورة المنبر الدولي لإضفاء شرعية على سلطة لم يمنحه الشعب إياها”.
وأضاف نور: “رفض منحه التأشيرة صحيح سياسياً وأخلاقياً، وهو رسالة أميركية مفادها أن الانقلاب والحرب لا يصنعان شرعية، وأن الميري العسكري لا يمنح صاحبه حق تمثيل شعب حرمه من الحكم المدني”.
قائد معاقب وسجل مثقل بالانتهاكات
لا يقوم تبرير رفض التأشيرة على الخلاف السياسي وحده؛ فقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية، في يناير 2025، عقوبات على البرهان بموجب الأمر التنفيذي المتعلق بالأشخاص الذين يزعزعون استقرار السودان ويقوضون هدف الانتقال الديمقراطي.
وقالت الخزانة الأميركية إن قوات الجيش، تحت قيادة البرهان، نفذت هجمات مميتة على المدنيين، بينها غارات على مدارس وأسواق ومستشفيات، وعرقلت بصورة متكررة ومتعمدة وصول المساعدات، واستخدمت الحرمان من الغذاء وسيلة في الحرب.
كما أشارت إلى أن وزير الخارجية الأميركي خلص، في ديسمبر 2023، إلى ارتكاب أفراد في الجيش جرائم حرب، واتهمت البرهان باختيار الحرب بدلاً من التفاوض الجاد وخفض التصعيد.
وبذلك، لا تتعامل واشنطن معه باعتباره رئيساً محايداً يمثل جميع السودانيين، بل قائداً عسكرياً معاقباً تتهمه رسمياً بتهديد السلام والاستقرار، وتقويض الانتقال المدني، وقيادة مؤسسة ارتبط اسمها بهجمات على المدنيين والأعيان المحمية.
ومن هذه الزاوية، يرى مراقبون أن رفض منحه تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة يستند إلى منطق سياسي وحقوقي واضح؛ إذ لا ينبغي أن تتحول الجمعية العامة إلى منصة لتطبيع سلطة قائد انقلابي أو تبييض سجل الحرب والانتهاكات بخطاب دبلوماسي، في وقت تواصل فيه قواته القتال وتواجه اتهامات بارتكاب فظائع ضد المدنيين واستخدام أسلحة كيميائية محرمة دولياً، بينما تتمسك قيادته بخيار الحسم العسكري وترفض وقف الحرب أو قبول هدنة إنسانية.
بين اتفاق المقر واعتبارات الأمن
مع ذلك، يرى قانونيون أن قوة المبررات السياسية والحقوقية لا تجعل الوضع القانوني محسوماً لمصلحة واشنطن. فاتفاق مقر الأمم المتحدة ينص على عدم وضع عوائق أمام سفر ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر المنظمة، وأكد المستشار القانوني للأمم المتحدة أن حق الأشخاص المشمولين بالمادة الحادية عشرة في دخول الولايات المتحدة، بغرض التوجه إلى منطقة المقر، غير مقيّد.
في المقابل، يرى آخرون أن القانون الأميركي يتمسك بحق الولايات المتحدة في حماية أمنها والسيطرة على دخول الأجانب الذين تعدّهم تهديداً لأمنها إلى أراضيها خارج منطقة مقر الأمم المتحدة ومحيطها الضروري. وتمثل هذه الاعتبارات النافذة القانونية الأقوى التي يمكن أن تستند إليها واشنطن، شريطة وجود تقييم أمني محدد، وعدم استخدام الاستثناء على نحو يلغي التزاماتها بموجب اتفاق المقر.
وقال المحامي والناشط الحقوقي السوداني عادل السر لـ”سكاي نيوز عربية”: “القضية ليست منع السودان من الكلام في منبر أممي، بل رفض منح قائد عسكري متهم بقيادة قوات ارتكبت فظائع وانتهاكات خطيرة فرصة لتقديم نفسه ضحية أو رجل دولة”.
وأضاف السر: “حقوق الضحايا يجب أن تسبق رغبة البرهان في التقاط صورة على منبر الأمم المتحدة. وإذا أراد معاملة دولية مختلفة، فعليه أن يبدأ بوقف القصف، وفتح الممرات الإنسانية، وقبول تحقيقات دولية مستقلة، بما فيها التحقيق في اتهامات جيشه باستخدام أسلحة محرمة دولياً ضد السودانيين، وإنهاء الحرب وتسليم السلطة للمدنيين”.
التأشيرة لا تصنع رئيسا
في النهاية، ربما أتاح رفض الولايات المتحدة منح البرهان تأشيرة دخول إلى أراضيها حجة قانونية قابلة للنقاش بموجب اتفاق المقر، لكنه لا يملك شرعية انتخابية، ولا تبرئه صفته العسكرية من المسؤولية السياسية أو القانونية.
فالتأشيرة ليست صكاً للرئاسة، ومنبر الأمم المتحدة لا ينبغي أن يتحول إلى مسرح يمنح الانقلابيين الذين يحاربون شعبهم ويقتلون أبناءه صورة الشرعية التي حرمهم منها السودانيون. وإذا أراد البرهان أن يُعامل ممثلاً للسودان، فعليه أولاً أن يتوقف عن اختزال البلاد في سلطته وجيشه، وأن يقبل وقف الحرب وعودة الحكم المدني والمساءلة عن الانتهاكات.


