وبحسب وكالة بلومبرغ نيوز، يأتي هذا النقاش بعد مرور 25 عاماً بالضبط على قرار وزارة الخزانة الأميركية المفاجئ، في أكتوبر 2001، وقف إصدار السندات لأجل 30 عاماً، وهو قرار أثار آنذاك انتقادات واسعة من المشاركين في السوق، قبل أن تعود الوزارة إلى إصدار هذه السندات لاحقاً.
ونقل التقرير عن جورج سارافيلوس، الاستراتيجي لدى دويتشه بنك، قوله إنه العالم نيوزخلال زيارته الأخيرة لعملاء في نيويورك مؤشرات إلى احتمال تعليق إصدار سندات العشرين عاماً.
وفي السياق نفسه، أوصى محللون لدى سيتي غروب بالاستعداد لاحتمال تفوق أداء سندات العشر سنوات على سندات العشرين عاماً، في ظل إمكانية تقليص إصدارات الأخيرة أو إلغائها بالكامل.
لماذا عادت الدعوات إلى الإلغاء؟
يتمثل المبرر الرئيسي لهذه الخطوة في خفض تكلفة تمويل الحكومة الأميركية، على غرار ما حدث عند وقف إصدار سندات الثلاثين عاماً في عام 2001.
وكان وزير الخزانة الأميركي السابق ستيفن منوتشين، الذي أعاد إحياء إصدارات سندات العشرين عاماً في عام 2020، قد دعا في عام 2024 إلى إلغائها، قائلاً في تصريحات لبلومبرغ إن هذه السندات “تكلف دافعي الضرائب أكثر من اللازم”.
ومنذ عودتها إلى السوق، اتسمت سندات العشرين عاماً بارتفاع عوائدها مقارنة بالسندات المحيطة بها، ولا سيما سندات العشر سنوات والثلاثين عاماً، ما يجعل الاقتراض من خلالها أكثر تكلفة على الحكومة الأميركية.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع ارتفاع نفقات الفائدة على الدين الحكومي، في ظل وصول عوائد سندات الخزانة إلى مستويات مرتفعة مقارنة بما شهدته خلال العقود الماضية.
وتتجه الأنظار إلى الرابع من نوفمبر المقبل، موعد صدور خطة وزارة الخزانة الفصلية للاقتراض وإصدار الديون، إذ يترقب المستثمرون ما إذا كان وزير الخزانة سكوت بيسنت سيقدم على إلغاء سندات العشرين عاماً، رغم عدم اتخاذ خطوات تمهيدية واضحة لهذه الخطوة حتى الآن.
وقال بادرايك غارفي، رئيس الأبحاث للأميركتين لدى مجموعة “آي إن جي”، إن إلغاء سندات العشرين عاماً قد يكون خياراً مباشراً لخفض التكاليف، لكنه أشار إلى أن السيناريو الأساسي لدى مؤسسته يتمثل في الإبقاء على الوضع الحالي.
تقليص الإصدارات بدلاً من الإلغاء؟
قد لا تلجأ وزارة الخزانة إلى الإلغاء الكامل، بل قد تختار تقليص أحجام المزادات الخاصة بالسندات طويلة الأجل.
ففي بيانها الفصلي الصادر في أغسطس الماضي، عدّلت الوزارة صياغة توجيهاتها بشأن الإصدارات المستقبلية من السندات ذات العائد الثابت والأوراق المالية ذات الفائدة المتغيرة، مشيرة إلى أنها تدرس إجراء “تغييرات” محتملة، بعدما كانت تتحدث سابقاً عن “زيادات” محتملة. وفتح هذا التعديل الباب أمام احتمال تقليص المعروض من سندات العشرين والثلاثين عاماً.
وقد تدفع محدودية تأثير الإجراءات السابقة على تكاليف الاقتراض بيسنت إلى اتخاذ خطوات إضافية، إذ لم تنجح زيادة برنامج إعادة شراء سندات الخزانة القائمة في وقف ارتفاع العوائد طويلة الأجل.
ورغم أن مزادات سندات العشر والثلاثين عاماً الأسبوع الماضي سجلت طلباً جيداً، فإن العوائد المسجلة فيها بلغت أعلى مستوياتها منذ عام 2000.
وتتوقع سيتي غروب خفض حجم كل مزاد من سندات العشرين والثلاثين عاماً بمقدار 3 مليارات دولار، مع تعويض النقص من خلال زيادة إصدار أذون الخزانة قصيرة الأجل.
وقال جيسون ويليامز، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية لدى سيتي غروب، إن بيسنت قد يستند إلى ضعف طلب صناديق التقاعد على سندات الخزانة، ربما نتيجة زيادة إصدارات الشركات طويلة الأجل، لتبرير تقليص سندات العشرين عاماً أو إلغائها.
الذكاء الاصطناعي يفاقم المنافسة على التمويل
تواجه سندات الخزانة الأميركية منافسة متزايدة من جهات أخرى تسعى إلى جذب أموال المستثمرين، وفي مقدمتها شركات التكنولوجيا العملاقة التي توسع استثماراتها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
فقد لجأت شركات التكنولوجيا الكبرى، المعروفة باسم “هايبرسكيلرز”، إلى إصدار كميات كبيرة من السندات طويلة الأجل لتمويل بناء مراكز البيانات وتوسيع قدراتها الحاسوبية، ما زاد المنافسة على رؤوس الأموال بين هذه الشركات والحكومة الأميركية، خصوصاً لدى المستثمرين المؤسسيين وصناديق التقاعد.
وقال فيشال كاندوجا، رئيس استثمارات الدخل الثابت في الأسواق العامة لدى مورغان ستانلي إنفستمنت مانجمنت، إن المنافسة على رأس المال باتت واضحة، مشيراً أيضاً إلى التحولات الهيكلية في أنظمة التقاعد، التي قلصت دور بعض الصناديق بوصفها مصدراً رئيسياً للطلب على السندات طويلة الأجل.
وتتزامن هذه الضغوط مع تنامي المخاوف من التضخم، بفعل تأثير الحرب مع إيران على تكاليف الطاقة، إلى جانب توقعات بأن يضطر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة لاحتواء الضغوط السعرية، ما يزيد من مطالب المستثمرين بعوائد أعلى.
مخاطر الإلغاء وتراجع السيولة
مع ذلك، لا يمثل إلغاء سندات العشرين عاماً حلاً مضموناً لخفض تكاليف الاقتراض.
وحذّر بنك بي إن بي باريبا الأسبوع الماضي من أن هذه الخطوة قد تُفسَّر على أنها مؤشر إلى الذعر، أو دليل على استنفاد وزارة الخزانة أدواتها المتاحة لإدارة الدين، وهو ما قد يشجع المستثمرين المعروفين باسم “حراس السندات” على الضغط لرفع العوائد، عبر بيع السندات أو الامتناع عن شرائها إلا بأسعار أقل.
وأشار محللو البنك، بقيادة غونيت دينغرا، إلى أن التداعيات غير المقصودة قد تشمل تراجع السيولة في سوق السندات، بما قد يزيد صعوبة تنفيذ الصفقات ويرفع تكاليف التداول.
كما قد يؤدي إعلان إلغاء السندات في الشهر المقبل إلى الإضرار بسمعة وزارة الخزانة في إدارة الدين وفق نهج “منتظم ويمكن التنبؤ به”، وهو مبدأ لطالما أكدت الوزارة التزامها به.
وأثارت خطوة بيسنت المفاجئة بتوسيع برنامج إعادة شراء السندات، بعد أسبوعين فقط من صدور البيان الفصلي السابق، تساؤلات في الأسواق بشأن مدى استقرار استراتيجية الوزارة في إدارة الإصدارات.
وقد يساعد إدراج سؤال عن سندات العشرين عاماً في الاستبيان الدوري الذي ترسله الوزارة إلى المتعاملين الرئيسيين يوم الجمعة المقبل على تخفيف هذه المخاوف، فيما يترقب المستثمرون أيضاً آراء اللجنة الاستشارية للاقتراض التابعة لوزارة الخزانة، التي تضم متعاملين ومستثمرين ومشاركين آخرين في السوق، والمقرر أن تصدر بيانها في الرابع من نوفمبر.
ما البدائل المتاحة أمام وزارة الخزانة؟
في حال تقليص إصدارات السندات طويلة الأجل، ستحتاج الوزارة إلى تعويض التمويل من مصادر أخرى، منها زيادة إصدار أذون الخزانة قصيرة الأجل، أو طرح أدوات مالية جديدة، مثل سندات لأجل عام واحد ذات فائدة متغيرة مرتبطة بسعر التمويل المضمون لليلة واحدة (SOFR).
ومن الخيارات الأخرى زيادة أحجام الإصدارات ضمن آجال السنتين إلى خمس سنوات، أو الاحتفاظ برصيد نقدي تشغيلي أقل لدى الوزارة.
ومن المقرر أن تحدّث وزارة الخزانة توقعاتها الفصلية بشأن رصيدها النقدي واحتياجاتها من الاقتراض في الثاني من نوفمبر، قبل صدور خطة الإصدارات الفصلية بيومين.
وفي الوقت الراهن، تترقب الأسواق تحركات جديدة من الوزارة، بعدما أخفقت الزيادة المفاجئة، التي بلغت الضعف، في برنامج إعادة شراء السندات والمعلنة في منتصف أغسطس في وقف صعود عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات لم تُسجل منذ عام 2002.
وقال غارفي إن الخيار الأكثر منطقية في الوقت الحالي هو الحفاظ على نمط مستقر للإصدارات عبر مختلف آجال الاستحقاق، لكنه أضاف أن وزارة الخزانة الأميركية تبدو مستعدة للتحلي بقدر كبير من المرونة، وقد تعيد توزيع الإصدارات بين آجال مختلفة إذا رأت أن ذلك سيسهم في خفض تكاليف الفائدة.


