وتجدد المشهد فجر الأحد 11 أكتوبر، عندما تقدمت هذه المكعبات نحو الأطراف الغربية للحي، على بعد أمتار من شارع صلاح الدين، لتحدد عملياً مسار الخط الأصفر في موقع جديد، وتوسّع نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ما دفع عائلات إلى إخلاء أماكن إقامتها مجدداً.
وكانت الشجاعية تؤوي نحو 120 ألف فلسطيني قبل الحرب، لكن تدمير نحو 95 بالمئة من منازلها جعل العودة إليها صعبة، فيما بات النازحون المقيمون في مخيمات على أطرافها مهددين بفقدان خيامهم أيضاً.
مكعبات تقترب من الخيام
روى عبد اللطيف مشتهى، أحد النازحين من الشجاعية، تفاصيل العملية التي أوصلت المكعبات إلى محيط خيامهم، وقال إن إطلاق النار عرّض النازحين للخطر.
وأوضح مشتهى لموقع “سكاي نيوز عربية”: “بدأت العملية فجرا على بعد نحو 20 مترا من مخيم مفترق الشجاعية للنازحين. وفوجئنا من دون إنذار مسبق بغطاء جوي من طائرات مسيرة إسرائيلية طوقت المكان وبدأت بإطلاق الرصاص باتجاه الخيام، ما أدى إلى إصابة سيدتين، ثم تقدمت جرافات عسكرية كانت تدفع المكعبات الصفراء باتجاه المنطقة القريبة من شارع صلاح الدين”.
ويعني تحريك المكعبات الصفراء نقل مسار الخط الأصفر نفسه غرباً، ما يقلص المسافة بين الخيام والمواقع العسكرية، ويضع العائلات أمام قرار جديد بالمغادرة، رغم أنها نزحت أصلاً إلى المنطقة بحثاً عن الأمان.
يغادرون ليلاً ويعودون نهاراً
أجبر التقدم الجديد عشرات العائلات على النزوح غرباً، فيما ازدادت صعوبة العثور على أرض بديلة بسبب اكتظاظ مناطق الإيواء بالخيام.
ويقول خليل البطش، الذي يقيم في خيمة قرب الخط الأصفر شرقي غزة، إنه عاد إلى موقعه السابق بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، بعدما فشل في العثور على مكان آخر.
وأضاف في حديثه مع موقع “سكاي نيوز عربية”: “أصبح العثور على قطعة أرض في غرب غزة مهمة شاقة، حتى الشوارع العامة باتت مكتظة بالخيام، لذلك نضطر إلى مغادرة المناطق القريبة من الخط الأصفر ليلا تجنبا لخطر إطلاق النار، ثم نعود إليها نهارا عندما تهدأ الأوضاع الميدانية قليلا”.
وتعكس شهادته مأزق عائلات تدرك خطورة البقاء قرب الخط، لكنها لا تملك بديلاً. لذلك تتحول حياتها إلى تنقل يومي بين الخيمة ومكان مؤقت للاحتماء.
نزوح مكلف ومتكرر
لا يقتصر عبء النزوح على العثور على مأوى، إذ تضطر العائلات إلى نقل خيامها وأمتعتها رغم استنزاف مواردها، بعدما غيّر بعضها مكان إقامته أكثر من عشر مرات منذ السابع من أكتوبر 2023.
ومع تعطل معظم المركبات بسبب نقص الوقود وقطع الغيار، يعتمد نازحون على عربات تجرها الدواب.
وتصل كلفة النزوح من المناطق القريبة من الخط الأصفر إلى نحو 200 دولار، في وقت يعتمد فيه السكان بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية.
وتأتي هذه الموجة بعد عام على بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، الذي أبقى نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية. ومنذ بدء الاتفاق، قُتل أكثر من 1470 فلسطينياً، بينهم 330 طفلاً، جراء هجمات إسرائيلية، فيما يستمر إطلاق النار ونسف المباني قرب الخط.
وعلى أطراف الشجاعية، تفك عائلات خيامها وتحمل ما تبقى من أمتعتها، بينما يعود من لا يجدون بديلاً إلى خيامهم نهاراً، بانتظار ليلة قد تجبرهم على الرحيل مجدداً.


