فمن أوروبا التي تقترب من حافة الركود، إلى آسيا التي تواجه أزمة وقود متفاقمة، مروراً بأفريقيا التي تتزايد فيها معدلات الفقر والجوع، يبدو المشهد الاقتصادي الدولي وكأنه يدخل مرحلة إعادة تشكيل قاسية تُرسم تحت ضغط الأزمات الجيوسياسية والاختناقات المالية.
وتعود الشرارة الأبرز لهذا التصعيد إلى مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة الطاقة العالمية. فمنذ إغلاقه السافر من جانب إيران، فقدت الأسواق العالمية ما يقارب 1.2 مليار برميل من إمدادات النفط، فيما تعطلت سلاسل توريد الغاز والأسمدة والهيليوم وغيرها من السلع الحيوية. ووفق التقديرات المتداولة، بلغت الخسائر الاقتصادية العالمية نحو تريليون دولار، بينها 300 مليار دولار خسائر مباشرة للاقتصاد الأميركي، إضافة إلى 45 مليار دولار تكبدها الاتحاد الأوروبي نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.
وفي خضم هذه التطورات، كشف تقرير حديث صادر عن منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة عن أرقام تعكس حجم الضغوط المقبلة، إذ حذر من أن نحو 52 مليون وظيفة قد تكون مهددة خلال العامين الجاري والمقبل، مع خسائر أجرية تُقدّر بـ1.1 تريليون دولار في عام 2026، ترتفع إلى ما يقارب ثلاثة تريليونات دولار في 2027. وفي هذا السياق، قدم محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي لشركة مزايا الغاف من لونيت، قراءة تحليلية موسعة خلال ظهوره في برنامج “بزنس مع لبنى” على سكاي نيوز عربية، تناول فيها التداعيات الاقتصادية والمالية المتسارعة للأزمة.
أزمة مضيق هرمز: تضخم يتجاوز حدود الأسعار
يرى ياسين أن أزمة مضيق هرمز لم تُنشئ التضخم من الصفر، بل عمّقت مساراً كان قائماً بالفعل قبل اندلاع الأزمة.
وأوضح أن الاقتصاد الأميركي أظهر منذ مطلع العام مؤشرات تضخمية أعلى من المستويات المستهدفة من جانب الاحتياطي الفيدرالي عند حدود 2 بالمئة، ما يعني أن الأسواق كانت تواجه ضغوطاً هيكلية حتى قبل التصعيد الأخير.
لكن إغلاق المضيق، وفق تحليله، نقل الأزمة من نطاق ارتفاع الأسعار إلى مستوى أكثر تعقيداً يرتبط بشح الإمدادات نفسها. فالمسألة لم تعد مقتصرة على كلفة الطاقة، بل امتدت إلى تهديد استقرار سلاسل التوريد والإنتاج الصناعي.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن بعض الدول الأوروبية قد تواجه التقنين في استهلاك الطاقة إذا استمرت الأزمة، وهو ما قد يقود إلى تباطؤ اقتصادي ينعكس بدوره على مستويات التوظيف والبطالة.
وفي تقييمه للسيناريوهات المستقبلية، شدد على أن طبيعة أي اتفاق محتمل لإعادة فتح المضيق ستكون عاملاً حاسماً في تحديد حجم التداعيات. فالاتفاق المؤقت، برأيه، لن يبدد المخاطر بالكامل، بينما تحتاج الأسواق ما بين ستة وثمانية أشهر للعودة إلى مستويات الطاقة التي سبقت الأزمة، وذلك في حال التوصل إلى تسوية خلال أسابيع قليلة. أما إذا طال أمد النزاع إلى سنة أو أكثر، فإن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية قد تصبح أكثر اتساعاً وخطورة.
سوق العمل تحت الضغط: الوظائف والطلب في دائرة الانكماش
وعند تناوله لأرقام منظمة العمل الدولية، اعتبر ياسين أن المسألة لا تتعلق فقط بخسارة وظائف، بل بفقدان كتلة ضخمة من القوة الشرائية العالمية. فخروج ملايين العاملين من سوق العمل يعني تراجع الطلب الاستهلاكي في وقت تستمر فيه المؤسسات بالإنتاج، ما يخلق اختلالاً حاداً بين العرض والطلب.
وأشار إلى أن هذه التطورات تتقاطع مع عامل آخر لا يقل تأثيراً، يتمثل في التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات والشركات. فإدماج هذه التقنيات، بحسب ياسين، بدأ بالفعل يُحدث تغيرات في أنماط التوظيف التقليدية، ما يجعل سوق العمل يواجه ضغوطاً مزدوجة: أزمة اقتصادية من جهة، وتحولات تكنولوجية متسارعة من جهة أخرى.
وأشار ياسين خلال حديثه الى تجارب سابقة ارتبطت بارتفاع أسعار الطاقة وتداعياتها الاجتماعية، مذكراً بأن أزمات مماثلة دفعت في مراحل سابقة إلى احتجاجات واسعة في عدد من الدول الأوروبية والأفريقية. وحذر من أن تفاقم البطالة قد لا يبقى محصوراً ضمن المؤشرات الاقتصادية، بل قد يتحول إلى عامل ضغط.
وكان تقرير منظمة العمل الدولية قد أشار إلى أن الدول العربية ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ ستكون من بين الأكثر تأثراً بهذه التداعيات، مع تركّز الخسائر في قطاعات البناء والتصنيع والنقل والتجارة والضيافة. كما حذر التقرير من أن استمرار إغلاق المضيق لفترة أطول قد يؤدي إلى خسائر وظيفية تتجاوز ما شهدته الأسواق خلال جائحة كوفيد-19، بما يمنح الأزمة الحالية أبعاداً استثنائية مقارنة بالأزمات الاقتصادية الحديثة.
أسواق السندات: المخاطر الخفية تحت السطح
في تحليله للأسواق المالية، يلفت ياسين إلى تحولات عميقة في سوق السندات العالمية، حيث يعكس ارتفاع العوائد الأميركية طويلة الأجل تراجعاً نسبياً في شهية بعض المستثمرين التقليديين، مثل اليابان والصين وعدد من دول الخليج، في ظل ضغوط مالية متزايدة وتغير في سياسات إدارة الاحتياطيات.
ويرى أن هذا التراجع في الطلب قد يواصل دفع العوائد صعوداً، مع احتمالات وصول عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى نحو 6 بالمئة بحلول نهاية 2026، ما من شأنه إعادة تسعير شاملة للأصول المالية المرتبطة بعوائد الخزانة الأميركية.
وينتقل الأثر من الأسواق المالية إلى الاقتصاد الحقيقي، إذ يؤدي ارتفاع كلفة التمويل إلى تقليص خطط الاستثمار والتوسع لدى الشركات، بما ينعكس سلباً على مستويات التوظيف.
كما يشير إلى أن بعض السندات الخليجية التي أُصدرت بعوائد متدنية سابقاً تواجه ضغوطاً في قيمها السوقية مع ارتفاع الفوائد عالمياً، ما يعكس إعادة توازن أوسع في هيكل التسعير المالي الدولي.
استراتيجيات الاستثمار: السيولة والانتقاء والذهب
ورغم قتامة المشهد، طرح ياسين مجموعة من التوصيات الاستثمارية التي رأى أنها أكثر ملاءمة للمرحلة الحالية. وفي مقدمة هذه التوصيات، شدد على أهمية الاحتفاظ بنسبة مناسبة من السيولة النقدية، معتبراً أن البيئة الحالية تتطلب انتقاءً دقيقاً للفرص الاستثمارية وعدم التسرع في اتخاذ القرارات.
كما دعا إلى بناء المراكز الاستثمارية تدريجياً، بدلاً من الدخول الكامل إلى الأسواق دفعة واحدة، في ظل استمرار حالة الضبابية وعدم وضوح الاتجاهات الاقتصادية النهائية.
وفي ما يتعلق بالذهب، أكد ياسين أنه لا يزال يحتفظ بدوره التقليدي كملاذ آمن، حتى مع وصول الأسعار إلى مستويات مرتفعة تقارب 4500 دولار للأونصة.
واعتبر أن وجود الذهب ضمن المحافظ الاستثمارية يبقى ضرورياً كأداة للتحوط في أوقات الاضطرابات وعدم اليقين.


