لم يكن هذا المشهد المتناقض في ظاهره سوى إعلان صريح من جماعة الإخوان بأنها كالإخطبوط لديها أذرع متعددة كلما قُطع أحدها ظهر آخر، فيما الرأس باقٍ وهو التنظيم العالمي المعروف إعلاميًا بالتنظيم الدولي للإخوان، والموصوف بأنه أخطر تنظيم عابر للقارات، فما هي حكاية هذا التنظيم؟
القصة طويلة لا تختزلها كلمات معدودة، وترجع بالأساس للسنوات الأولى من عمر جماعة الإخوان التي تأسست عام 1928، فحسن البنا، المؤسس والمرشد الأول لها، أنشأ قسمًا خاصًا سماه قسم الاتصال بالعالم الإسلامي، والذي عُدّ النواة الأولى لانتشار الإخوان خارج مصر وتحقيق طموحها بالسيطرة على العالم والذي تسميه بـ”أستاذية العالم”.
قسم الاتصال بالعالم الإسلامي.. نواة الإخوان للتنظيم الدولي
وبدأت المحاولات الأولى لانتشار الإخوان خارج مصر، في ثلاثينيات من القرن الماضي، فجندت الجماعة طلابًا عربًا وأفارقة يدرسون بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليا)، والأزهر الشريف كي ينقلوا أفكارها إلى دولهم، كما أوفد مؤسس الإخوان حسن البنا مبعوثين عنه إلى دول المنطقة العربية كسوريا ولبنان وفلسطين والأردن وغيرها، بهدف زرع البذرة الإخوانية في تربة تلك الدول، وكانت الجماعة تدعي ظاهريًا أنها مجرد جماعة دعوية تهدف إلى إعادة القيم الإسلامية للمجتمعات المسلمة، وهي الحيلة التي لطالما استغلتها لخداع من لا يعرفون أهدافها الحقيقية.
وبحلول عام 1935، كانت الإخوان قد استطاعت أن تؤسس وجودًا لها في 11 فرعًا لها في مصر وخارجها، منها أفرع جيبوتي، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، واليمن وغيرها، وهو ما تفاخرت به جريدة الإخوان المسلمين، التي كانت تصدرها الجماعة بذات الاسم في تلك الفترة، في عددها رقم 39.
كانت فكرة حسن البنا أن تنتشر جماعته أولا تحت ستار العمل الدعوي ثم تتحول للعمل السياسي والعسكري وتسيطر على الدول التي تنشط فيها، لأن غاية الجماعة هي الحكم كما تقول رسائله لأتباعه، وبمرور الوقت أدرك أن خطته تسيطر كما رسم لها، فأسس تنظيمه العسكري المعروف بالتنظيم الخاص، سنة 1940، وأسس قسمًا آخر لتنسيق العمل في الأفرع الإخوانية الخارجية سماه “قسم الاتصال بالعالم الإسلامي”، وهو النواة التي ستتطور بعد عقود لتشكل التنظيم الدولي للإخوان.
كان مبعوثي مؤسس الإخوان يسافرون بصورة دورية إلى الدول التي نجحت الجماعة في إيجاد موطئ قدم لها فيها، وهو نفسه استغل موسم الحج عام 1936 للقاء بوفود الإخوان من تلك الدول الذين قدموا تحت ستار الحج للقاء حسن البنا وتلقي التعليمات منه، كما أشار في مذكراته المعنونة بـ”مذكرات الدعوة والداعية”.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفنُ، فقسم الاتصال بالعالم الإسلامي لم يلبث طويلا لأن الجماعة ككل حُظرت في مصر بقرار من رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي، ودخلت في صراع مسلح مع الحكومة بعد أن اغتالت النقراشي باشا وحاولت اغتياله خليفته في منصب رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي، ورئيس البرلمان حامد جودة وآخرين.
ومع ذلك فبذرة الإخوان التي زرعتها في الدول الأخرى واصلت النمو، وعندما عادت الجماعة للنشاط الرسمي في عام 1950 لم يكن النشاط الخارجي أولى أولوياتها فقد انشغلت بالصراع الداخلي في مصر، وتحالفت مع الضباط الأحرار بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر لخلع الملك فاروق، وهو ما تم في 1952.
دخلت الجماعة في صدام مع النظام الناصري، في عامي 1954، و1965 على الترتيب، وحظرت من جديد وفر كثير من قادتها إلى خارج البلاد، فاستقروا في دول أوروبية وفي الولايات المتحدة ودول أخرى بالقارتين الأميركيتين، وكان منهم سعيد رمضان، زوج ابنة حسن البنا وغيره.
وفي الملاذات الآمنة، وجدت الإخوان فرصة للنشاط والعمل بعيدًا عن الملاحقة واستغلت كعادتها فكرة العمل الدعوي وخطاب الجاليات المسلمة في أوروبا وأميركا كي تتغلغل في أوساط الأقليات الإسلامية في تلك البلدان وتوظفهم لخدمة مصالحها الذاتية.
عودة النشاط الإخواني وتشكل التنظيم الدولي
وفي مصر، حيث قلب جماعة الإخوان ومحطتها الأولى، عادت الجماعة رسميًا للعمل والنشاط عام 1972، وعملت على إعادة بناء نفسها من جديد، كمركز ورأس لشبكة التنظيم في المنطقة وخارجها، وبالفعل، ولعب قادة التنظيم السري المسلح المعروف بالتنظيم الخاص بعد الإفراج عنهم من السجون دورًا هامًا في تأسيس التنظيم الدولي، وعلى رأس هؤلاء مصطفى مشهور، عضو مكتب الإرشاد وقتها والذي سيصبح في 1996 مرشدًا للإخوان، ومحمود عزت، القيادي البارز بالجماعة وقتها ثم نائب المرشد والقائم بعمله فيما بعد.
هرب مصطفى مشهور ومحمود عزت إلى خارج مصر قبل ساعات من إصدار قرارات التحفظ التي أصدرها الرئيس المصري أنور السادات ضد مئات من معارضيه، في عام 1981، وكانا ينسقان مع شبكات الإخوان في المنطقة العربية وفي دول أوروبية في مقدمتها ألمانيا الغربية، أن يؤسسا التنظيم الدولي الذي أُعلن عنه للمرة الأولى في 29 يوليو 1982 ووضعت لائحته التأسيسية التي تعتبر قانونًا للتنظيم.
ضم التنظيم الدولي في بدايته كل التنظيمات والكيانات الإخوانية في العالم العربي والإسلامي وخارجه وتوسع مصطفى مشهور خارج الإطار الضيق للإخوان ليضم إليه جماعات إسلامية أخرى لا تتبع تنظيمياً قيادة الجماعة الأم في مصر، فاكتفى بأن تكون تلك الجماعات متوافقة معها في المنهج والأيديولوجيا.
لذا ضم للتنظيم الجماعة الإسلامية في باكستان التي أسسها الشيخ أبو الأعلى المودودي، والحزب الإسلامي (باس) في ماليزيا وحزب الرفاة بقيادة نجم الدين أربكان في تركيا، وبالطبع انضمت للتنظيم الأفرع النشطة في الوطن العربي وأوروبا (اتحاد المنظمات الإسلامية الذي غير اسمه مؤخرا لاتحاد مسلمي أوروبا ويتخذ من بروكسل مقرا له ويضم 28 منظمة إخوانية أوروبية) وكذلك في الأميركيتين وخارجهما.
وهكذا كانت الثمانينيات فترة ذهبية لنشاط التنظيم الدولي للإخوان الذي تشكل من هيئات قيادية حددتها لائحته التأسيسية بـالمرشد العام، ومكتب الإرشاد العالمي، ومجلس الشورى العالمي.
وبطبيعة الحال، فالمرشد هو المسؤول الأول للجماعة، ويرأس مكتب الإرشاد العالمي ومجلس الشورى العالمي، بينما يُشكل مكتب الإرشاد العالمي القيادة التنفيذية العليا لجماعة الإخوان في العالم ويقوم برسم الخط لسياستها وإدارتها، ويتألف مكتب الإرشاد من ثلاثة عشر عضوًا عدا المرشد العام، يتم اختيارهم 8 منهم من مصر (الإقليم الذي يقيم فيه المرشد)، و5 ينتخبهم مجلس الشورى العالمي مع مراعاة التمثيل الإقليمي في اختيارهم وتندرج تحت مجلس الشورى لجان تنفيذية مسؤولة عن العمل التنظيمي كاللجنة السياسية ولجنة التربية ولجنة الأخوات (القسم النسائي للإخوان) واللجنة المالية وغيرها، أما مجلس الشورى العالمي فيعد السلطة التشريعية والرقابية للتنظيم الدولي وقراراته ملزمة لمكتب الإرشاد العالمي.
ويتألف مجلس الشورى العالمي من 30 عضوا يمثلون التنظيمات الإخوانية المعتمدة في مختلف الأقطار، ويتم اختيارهم من قِبل مجالس الشورى في الأقطار من بين أعضائها، ويجوز لمجلس الشورى إضافة خمسة أعضاء من ذوي الاختصاص إلى عضوية المجلس الذي يجتمع كل 6 أشهر بصورة دورية لمناقشة شؤون الجماعة. وتحظى جماعة الإخوان المصرية بالنسبة الأكبر في مجلس الشورى العالمي أيضًا (حوالي 30 بالمئة) وتمثل بـ9 من أصل 30 عضوا، ولعل هذا يعطي لمحة عن حجم تأثير ونفوذ الجماعة المصرية في الشبكة العالمية للإخوان.
وتحدد اللائحة العامة للتنظيم الدولي الطريقة التي يتم بها اعتماد فرع جديد أو قطر جديد ضمن التنظيم الدولي، بناءً على شروط خاصة تضعها الجماعة.
ويمكن تمثيل أية تنظيم إخواني جديد في المجلس الشورى إذا اعتمده مكتب الإرشاد العالمي، ووفقا للائحة العامة فيجب على الأقطار الالتزام بالحصول على موافقة مكتب الإرشاد العالمي قبل الإقدام على اتخاذ أي قرار سياسي هام.
ويظهر من كل هذا أن التنظيم الدولي يتحكم فعليا في أفرع الجماعة حول العالم أي أن الأفرع القُطرية ترتهن لقراراته والتي قد لا تكون متوافقة مع المصالح الوطنية في الدول التي تنشط فيها تلك الأفرع.
وعلى مستوى التنظيم الإخواني نفسه، تبرز نقطة شديدة الأهمية تتعلق باختيار مرشد الجماعة فالمفترض أن يكون الاختيار بالتشاور بين الأفرع القطرية أو الأفرع في الدول المختلفة طالما أن هذا المرشد هو القائد العام للتنظيم الدولي لكن الواقع بخلاف ذلك فالتنظيم المصري هو الذي يختاره دون الرجوع لبقية الأفرع، وهذا يتنافى مع اللائحة العامة للتنظيم الدولي التي تقضي بأن يُشارك مكتب الإرشاد العالمي في اختيار المرشد العام.
إخوان مصر.. وتحريك أفرع الجماعة حول العالم
وعلى أساس هذا الوضع، أصبح التنظيم الدولي إخطبوط ضخم يضم شبكة كبيرة ومعقدة من التنظيمات الإخوانية ولديه كيانات في مختلف أنحاء العالم بعضها عبارة عن جمعيات ومراكز إسلامية، وبعضها شركات وكيانات تجارية وأخرى تضم مواقع ومنصات إعلامية.
واللافت أن هذا التنظيم يدير فعليا أفرع الإخوان العاملة في دولها، فهو رأس الإخطبوط التي تحرك أذرعه ولعل من المواقف الدالة على ذلك دوره في الخلاف الشهير بين رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي الحالي، ومعلمه نجم الدين أربكان مؤسس حزب الرفاه في تركيا، إذ حدث بينهما خلاف على استراتيجيات وطرق عمل الإخوان في تركيا بعد الانقلاب العسكري على حكومة حزب الرفاه برئاسة أربكان في 1997، ولجأ أردوغان ومعه أحمد داود أوغلو وآخرين للتنظيم الدولي من أجل الفصل في الخلاف، وسافروا إلى مصر، أوائل الألفية الحالية، للقاء مرشد الإخوان مصطفى مشهور ليفصل بين الطرفين المختلفين، غير أن الأخير رفض لقائهم بحجة أنهما سافروا دون إذن من مسؤولهم (نجم الدين أربكان)، وهو ما دفع أردوغان ورفاقه للانفصال عن أربكان وتأسيس حزب العدالة والتنمية (الحاكم في تركيا)، وهو ما أشار له القيادي الإخواني هيثم أبو خليل في كتابه “إخوان إصلاحيون”.
وبطبيعة الحال، فوجود أغلبية مصرية في المكتب العالمي أو مكتب الإرشاد العالمي (9 من أصل 15 عضوًا)، يمنح الجماعة سلطة ونفوذ أكبر داخل التنظيم وبالتبعية على بقية أفرع الجماعة الأخرى، وقبل سقوط حكم الجماعة في مصر عام 2013، كان الأعضاء المصريون التسعة بمكتب الإرشاد العالمي: محمد بديع (المرشد العام)، ومحمود عزت (نائب المرشد ثم القائم بعمله حتى القبض عليه في 2020)، وخيرت الشاطر (نائب المرشد) ورشاد البيومي (نائب المرشد)،وجمعة أمين عبد العزيز (نائب المرشد- توفي 2015)، ومحيي حامد (عضو مكتب الإرشاد المصري ومستشار الرئيس الأسبق محمد مرسي)، وسعد الحسيني (عضو مكتب الإرشاد)، وسعد الكتاتني (عضو مكتب الإرشاد ورئيس مجلس الشعب المنحل في 2012)، وصبري عرفة الكومي (الأمين العام للتنظيم الدولي- توفي في 2020).
وبخلاف الأعضاء الأساسيين كان هناك أعضاء ينوبون عنهم في حضور اجتماعات مكتب الإرشاد العالمي، أبرزهم محمود حسين، أمين عام الجماعة سابقًا والقائم بأعمال المرشد- جبهة إسطنبول في الوقت الراهن، وإبراهيم منير (نائب القائم بأعمال المرشد ثم القائم بأعمال المرشد حتى وفاته في 2022 والذي شغل أيضا منصب الأمين العام للتنظيم الدولي خلفًا لصبري عرفة الكومي)، ومحمد البحيري عضو مجلس الشورى العام ومسؤول قطاع إفريقيا بالتنظيم العالمي سابقًا.
الصراع والانقسام داخل التنظيم الدولي
انفرط عقد التنظيم الدولي، بعد الإطاحة بجماعة الإخوان في مصر عام 2013، إذ جرى إلقاء القبض على أعضاء مكتب الإرشاد العالمي المتواجدين في مصر ولم ينج منهم سوى محمود حسين، عضو مكتب الإرشاد بمصر والقائم الحالي بأعمال مرشد الإخوان- جبهة إسطنبول، وجمعة أمين عبد العزيز، وصبري عرفة الكومي، وثلاثتهم خرجوا من مصر قبل الـ30 من يونيو 2013، بناءً على توجيه من مكتب الإرشاد ليكونوا بمثابة إدارة احتياطية للجماعة حال سقط حكم الجماعة في مصر وهو ما حدث بالفعل.
وعملت قيادة الجماعة في الخارج على تدارك هذه الفجوة القيادية التي خلفتها الحملة التي شنتها أجهزة الأمن المصرية ضد الجماعة ومن ثم عمل القادة في الخارج على جمع شمل التنظيم الدولي مرة أخرى.
ومن الجدير بالذكر أن التنظيم الدولي تعرض لأزمات عديدة خلال السنوات التي تلت الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، فأعلن “إخوان الأردن”، في 2015، فك ارتباطهم بالتنظيم الدولي، وتبعتهم حركة حماس الفلسطينية في 2017، لكن الحقيقة لم تكن تلك الإعلانات من قبل “إخوان الأردن” و”حماس” سوى عملية دعائية للإيحاء بأنهما تركا التنظيم الدولي للإخوان بسبب حملات التدقيق التي أطلقتها الدول العربية والغربية في أنشطة الإخوان فيما بقي إخوان الأردن وحماس فعليا داخل التنظيم، أما حركة النهضة التونسية والتي سبق أن أعلنت أيضًا فك ارتباطها بالتنظيم الدولي فلم تُعلق مشاركتها فيه سوى عام 2016، لكنها بقيت تنسق معه.
على صعيد متصل، تأثر التنظيم الدولي بالصراع الداخلي في التنظيم المصري، فمثلا أثرت أزمة الصراع القيادي بين جبهة محمد كمال أو جبهة المكتب العام/ تيار التغيير، كما تُسمي نفسها، وبين القيادات التاريخية على الجماعة محمود عزت نائب المرشد والقائم بعمله حتى عام 2020، ومعه في الخارج، محمود حسين، وإبراهيم منير، عام 2015، على التنظيم الدولي إذ خرج منه مجموعة من القادة الفاعلين أبرزهم أشرف عبد الغفار والوزيرين السابقين عمرو دراج ويحيى حامد، وبهذا أحكم القادة التاريخيون للجماعة سيطرتهم على التنظيم الدولي حتى حين، وكان الشخص الأكثر فاعلية في إدارته في تلك الفترة إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي ونائبه محمود الإبياري، فيما تولى محمود عزت الإشراف على التنظيم المصري، وجرى توكيل محمود حسين بإدارة الجوانب المالية والتنظيمية من تركيا.
واستمر الوضع على هذا الحال حتى إلقاء القبض على محمود عزت القائم بأعمال المرشد نهاية أغسطس 2020، وبفعل التداعيات التي خلفها سجن القائم بأعمال المرشد انقسمت الجماعة مجددًا بين جبهتين هما لندن (وقادها إبراهيم منير ثم صلاح عبد الحق القائم بأعمال المرشد فيها حاليا) وإسطنبول (يقودها محمود حسين)، تضافان إلى الجبهة الثالثة المنشقة من ذي قبل وهي جبهة المكتب العام/ تيار التغيير، وبالطبع مالت كفة التنظيم الدولي إلى صالح أمينه العام إبراهيم منير الذي أمسك بمقاليد الأمور في داخله طوال سنوات، فيما سيطر خصمه محمود حسين على كثير من المخصصات المالية للجماعة المصرية وكذلك سيطر على هيئاتها وأهمها مجلس الشورى العام الذي يعد الهيئة الوحيدة المنتخبة في الوقت الراهن ومع أنه استنفذ مدته القانونية إلا أن الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها الجماعة تجعله يستمر في أداء تلك المهمة إلى حين توافر ظروف مناسبة لإجراء انتخابات تنظيمية لاختيار مجلس شورى جديد.
وعقب وفاة إبراهيم منير، في 4 نوفمبر 2022، انتقل التنظيم الدولي لمرحلة أخرى، بعد اختيار صلاح عبد الحق قائمًا بأعمال المرشد، واللافت أن صلاح عبد الحق لم يكن عضوا بمكتب الإرشاد ولا مجلس الشورى المصري أو العالمي وهذا يعني أن اختياره يعد مخالفة للائحة العامة لجماعة الإخوان المصرية.
بيد أن عبد الحق كان مسؤولا عن جهاز التربية بالتنظيم الدولي لمدة 20 عامًا متواصلة، ومنه قفز إلى قيادة إخوان مصر والتنظيم الدولي، ومن ثم فإنه اعتبر أن عمله في التنظيم الدولي هو مصدر شرعيته لا اللوائح أو الأعراف الخاصة بالجماعة، وهذا بالطبع أثر على طبيعة التوازنات التي انقلبت بصورة عكسية بعد تولي القائم بأعمال المرشد- جبهة لندن لمنصبه إذ أصبح التنظيم الدولي هو الذي يدير التنظيم المصري أو على الأقل الجزء التابع لجبهة لندن في التنظيم الدولي بعكس الأوضاع الطبيعية التي كان التنظيم المصري يتحكم في التنظيم الدولي عن طريق أعضاء مكتب الإرشاد العالمي وأعضاء الشورى العالمي.
وفي المقابل، رفض محمود حسين القبول بهذا الوضع لا سيما أنه يرى أنه الأجدر بأن يتولى منصب القائم بأعمال المرشد فهو العضو الوحيد المتبقي من مكتب الإرشاد خارج السجن، ويحق له وفقا للمادة الخامسة من اللائحة العامة للإخوان أن ينوب عن المرشد وهذا يعني أنه سينوب عنه في قيادة التنظيم الدولى أيضًا، لأن هذه المادة تنص على أنه “في حال حدثت موانع قهرية تحول دون مباشرة المرشد العام لمهامه يحل محله نائبه الأول ثم الأقدم فالأقدم من النواب، ثم الأكبر فالأكبر من أعضاء مكتب الإرشاد”، وهو ما ينطبق حرفيا على محمود حسين.
وتقدم محمود حسين بطلب لمكتب الإرشاد العالمي الخاص بالتنظيم الدولي يطلب فيه اعتماده قائما بالأعمال وقائدا للتنظيم الدولي، بصفته عضو الإرشاد الوحيد المصري المتبقي، ولكن صلاح عبد الحق استغل نفوذه القديم في التنظيم الدولي للالتفاف على غريمه التقليدي، ولذا لم يكن مستغربًا أن يرفض مكتب الإرشاد العالمي إقرار محمود حسين على قيادة التنظيم الدولي وهذه المسألة أحدثت انقسامًا في مجلس الشورى العالمي الذي أيد عدد من أعضائه مساعي حسين ثم انشقوا معه عن التنظيم الدولي القديم وأسسوا تنظيمًا دوليا موازيًا جعلوا على رأسه محمود حسين وتولى مدحت الحداد، القيادي البارز بالتنظيم وعضو مجلس الشورى به، منصب الأمين العام للتنظيم وهمام علي يوسف، لكن في نهاية المطاف اضطروا لتجميد نشاط التنظيم الدولي الموازي لأن الجبهة المناوئة لهم أحكمت سيطرتها على غالبية الأفرع الإخوانية، فصلاح عبد الحق نفسه قدم من التنظيم الدولي الذي كان مسؤولا لجهاز التربية فيه طوال 20 عامًا، كما أن محمود الإبياري رفيق إبراهيم منير وأمين سره ساعد في سيطرة عبد الحق على التنظيم نظرا لإمساكه بتلابيب التنظيم الدولي بعد وفاة منير.
وعلاوة على الأسباب السابقة فإن هناك متغير هام يرتبط بالأحداث الجارية في المنطقة وهو رفض حركة حماس الفلسطينية مبايعة محمود حسين وميلها لجبهة صلاح عبد الحق، وهذه الرفض سبق أحداث الـ7 من أكتوبر بالأساس لكن جبهة لندن استثمرت فيه بصورة غير معلنة منذ الهجمات ضد إسرائيل وأبلغت أقطار الجماعة وأفرعها أنها تحظى بدعم حماس وهذه النقطة أصبحت مصدرًا إضافيَا للشرعية باعتبار الزخم الذي أعطته الأحداث الأخيرة لحماس والمرتبطين بها.
المتحكمون في التنظيم الدولي
وفي الوقت الحالي، يتولى صلاح عبد الحق منصب القائم بعمل مرشد الإخوان وبالتالي فهو المسؤول الأول في التنظيم، ويشغل محمود الإبياري منصب الأمين العام للتنظيم وكذلك منصب مسؤول قطاع أوروبا بالتنظيم وهو عضو مكتب الإرشاد العالمي الذي يضم أيضًا محيي الدين الزايط، نائب رئيس الهيئة الإدارية العليا للجماعة (البديل المؤقت لمكتب الإرشاد) وعضو مجلس الشورى العام، وحلمي الجزار، رئيس المكتب السياسي للإخوان وعضو مجلس الشورى العام، والسعدني أحمد، رئيس رابطة الإخوان المصريين بالخارج (وهي كيان خاص بالإخوان المصريين في مختلف الدول) وعضو مجلس الشورى العام، ومحمد البحيري، عضو الهيئة الإدارية العليا للإخوان ومسؤول إفريقيا سابقا، ومحمد الدسوقي، عضو مجلس الشورى ونائب رئيس الهيئة الإدارية العليا سابقًا، وصهيب عبد المقصود، المتحدث باسم الجماعة وعضو الهيئة الإدارية بها، وناصر منصور، مسؤول قطاع إفريقيا بالتنظيم العالمي.
وأما الأعضاء غير المصريين في التنظيم الدولي فهم: همام سعيد، المراقب العام الأسبق لإخوان الأردن، ومحمد هدايت، نائب رئيس مجلس الشورى الشعبي بإندونيسيا، وعبد الله بن منصور، رئيس مجلس مسلمي أوروبا، وأحمد الراوي، رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا سابقًا وهو من إخوان العراق، بينما انسحب راشد الغنوشي من التنظيم الدولي، في 2016 ولم يتم اختيار بديل له من تونس حتى الآن.
وبجانب أعضاء مكتب الإرشاد العالمي هناك مجموعة من أعضاء مجلس الشورى العالمي من بينهم أحمد شوشة، الذي انضم لعضوية الهيئة الإدارية العليا بالتنظيم المصري حديثا وهو عضو مجلس الشورى العام، وعبد المنعم البربري، عضو مجلس الشورى العام، وصالح فرج ضيف الله، الذي سبق القبض عليه وسجنه ضمن المجموعة التي أدينت عام 2014 بإنشاء خلية لتنظيم الإخوان في دولة الإمارات العربية المتحدة وأطلق سراحه بعد قضاء مدة العقوبة، وهم أعضاء بالهيئة الإدارية التي أصبحت بديلا مؤقتا لمكتب الإرشاد المصري.
وكذلك يضم مجلس الشورى العالمي محمد حكمت وليد، المراقب العام السابق لإخوان سوريا، عضوا عن سوريا (رغم انتخاب عامر البوسلامة مراقبًا عامًا للفرع السوري)، وعزام الأيوبي، المراقب العام السابق للجماعة الإسلامية عن لبنان ( رغم انتخاب محمد طقوش أمينًا عامًا للجماعة داخل لبنان في 2022)، ويشغل عضوية المجلس أيضًا عادل إبراهيم، مراقب الإخوان- فرع التنظيم الدولي في السودان، وكذلك يضم المجلس القيادي بإخوان اليمن حميد الأحمر، رئيس رابطة برلمانيون من أجل القدس، وعبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم سابقا من إخوان الجزائر، ومراد العضايلة، المراقب العام لإخوان الأردن، وإياد السامرائي، رئيس مجلس النواب العراقي الأسبق- إخوان العراق، وعبد الحميد المناصرة رئيس المنتدى العالمي للبرلمانيين الإسلاميين، ومحمد الشيخ آدم من إخوان الصومال.
وفضلا عن مكتب الإرشاد ومجلس الشورى العالميين، قام صلاح عبد الحق بتشكيل لجان التنظيم الدولي فتولى محمد الدسوقي، مسؤولية لجنة التربية، وتولت رغد التكريتي، لجنة الأخوات المسلمات، أما لجنة الشباب فتولاها صهيب عبد المقصود، وبقي حلمي الجزار مسؤولا عن اللجنة السياسية، ويشغل محمد الحسن ولد الددو من موريتانيا منصب مسؤوول لجنة الدعوة، ومعه عصام البشير نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهم أعضاء بمجلس الشورى العالمي أيضًا.
التنظيم الدولي يحاول الهروب من قرارات الحظر
وعلى صعيد آخر، استبق التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالنظر في تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، بالعمل على خطة لتغيير واجهاته التنظيمية والعمل على إنشاء كيانات بديلة تبدو ظاهريا غير مرتبطة بجماعة الإخوان، والدفع بقيادات جديدة لإدارة الكيانات الإخوانية الحالية بحيث يكون هؤلاء القادة من غير المنتمين رسميا للجماعة ولكن يكونوا تحت سيطرتها، وهي الخطة التي لجأت لها الجماعة بعد أن وصلت إليها معلومات من سياسيين أميركيين وغربيين عن وجود تحرك ضد الجماعة، ويشرف على تنفيذ هذه الخطة محمود الإبياري، الأمين العام للتنظيم الدولي، وعبد الرحمن أبو دية (أبو عامر) القيادي بالتنظيم، وهو مهندس بريطاني من أصل فلسطيني.
وعقب إصدار القرار، عقد قادة التنظيم الدولي اجتماعًا في لاهور الباكستانية، اتفقوا فيه على التحرك من أجل الضغط على السياسيين والحكومات في الدول التي ينشط فيها التنظيم الدولي خاصةً في أوروبا، من أجل التوسط لدى واشنطن كي لا تحظر جماعة الإخوان أو تصنفها كمنظمة إرهابية أجنبية أو على الأقل التقليل من أضراره على الإخوان، وهو ما يؤكد أن التنظيم الدولي لم ينتهِ بعد وأن السرطان الإخواني لا زال ينتشر في دول عدة حول العالم.


