وأوضح البنك أن هذا التأثير سينعكس أساساً عبر تراجع إنفاق المستهلكين، نتيجة ما يُعرف بـ”أثر الثروة”، حيث يؤثر انخفاض قيمة الأصول المالية بشكل مباشر على سلوك الإنفاق، لا سيما لدى أصحاب الدخول المرتفعة الذين يمتلكون الحصة الأكبر من الأسهم.
وأثر الثروة يعني ببساطة أن شعور الناس بزيادة أو نقصان ثروتهم يؤثر مباشرة على إنفاقهم؛ فعندما ترتفع أسعار الأسهم أو العقارات، يشعر المالكون بأنهم أصبحوا أغنى، فينفقون أكثر ويدعمون الاقتصاد، أما عندما تنخفض هذه الأسعار، حتى لو لم يبيعوا أصولهم، فإنهم يشعرون بالحذر ويقلّصون الإنفاق، خصوصاً أصحاب الدخل المرتفع الذين يمتلكون معظم الأسهم، ما يؤدي في النهاية إلى تباطؤ الاستهلاك والنمو الاقتصادي.
ويأتي هذا التحذير في وقت تشير فيه التوقعات إلى نمو اقتصادي معتدل تدعمه التخفيضات الضريبية والاستثمارات المتزايدة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن البنك يرى أن هذه العوامل الإيجابية تخفي تحتها هشاشة قد تتفاقم مع تقلبات الأسواق المالية.
ترابط وثيق بين الأسواق والنمو
تسلّط قراءة “غولدمان ساكس” الضوء على قلق متزايد داخل الأوساط المالية من أن عدم استقرار الأسواق قد يعرقل مسار اقتصاد أميركي يُتوقع له أن يواصل النمو بوتيرة متوسطة خلال 2026.
ورغم أن العديد من المؤشرات تدعم سيناريو التوسع الاقتصادي، فإن استمرار هذا المسار يبقى مرتبطاً باستقرار أسعار الأصول وتأثيرها المباشر على قرارات الإنفاق الاستهلاكي.
10 بالمئة هبوط… نصف نقطة نمو مهددة
يتوقع اقتصاديون في “غولدمان ساكس”، من بينهم بيرفرانشيسكو ماي، أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي نحو 2.5 بالمئة في 2026، وهو مستوى أعلى بقليل من متوسط توقعات السوق.
لكن هذه النظرة الإيجابية مشروطة بتجنب تصحيح حاد في سوق الأسهم.
ويقدّر البنك أن انخفاضاً مستداماً بنسبة 10 بالمئة في أسعار الأسهم حتى الربع الثاني من 2026 قد يقلص النمو الاقتصادي بنحو 0.5 نقطة مئوية، نتيجة تراجع إنفاق الأسر الأكثر ثراءً، التي تلعب دوراً محورياً في دعم الاستهلاك.
أما في حال حدوث تصحيح أعمق بنسبة 20 بالمئة، لا سيما إذا تزامن مع اضطرابات في سوق العمل بسبب الذكاء الاصطناعي، فقد تكون الضغوط على الاقتصاد أشد وأوسع نطاقاً.
قراءة أعمق لمتانة الاقتصاد
ورغم أن “غولدمان ساكس” يبدو أكثر تفاؤلاً من بعض المؤسسات الأخرى، إذ يقدّر نمو الاقتصاد الأميركي بنحو 2.8 بالمئة على مدار عام 2026، فإن تحذيره من هشاشة الأسواق يشكل نقطة توازن مهمة في المشهد العام.
في المقابل، ترفع مؤسسات أخرى مستوى الحذر؛ إذ يمنح جيه بي مورغان احتمالاً نسبته 35 بالمئة لحدوث ركود في الولايات المتحدة والعالم خلال 2026، مستنداً إلى استمرار التضخم وتباطؤ سوق العمل.
أما مورغان ستانلي فيتبنى رؤية أكثر حياداً، متحدثاً عن “نمو معتدل مع نطاق واسع من السيناريوهات المحتملة”.
ويستند صمود الاقتصاد الأميركي حالياً إلى قوة استثمارات الشركات، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى استمرار الإنفاق الاستهلاكي المدعوم بتخفيضات ضريبية أُقرت ضمن قانون “One Big Beautiful Bill Act”.
التضخم وسياسة الفيدرالي: معادلة دقيقة
لا يزال التضخم أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 بالمئة مع بداية 2026، ما يضع البنك المركزي أمام خيارات دقيقة.
فبعد توقف مؤقت في يناير، يُتوقع أن يستأنف الفيدرالي خفض أسعار الفائدة لاحقاً خلال العام، بهدف تقريب سعر الفائدة الأساسي من مستوى 3 بالمئة، رغم وجود تباينات داخلية حول سرعة هذا المسار.
وعلى مستوى القطاعات، تبدو الصورة غير متجانسة؛ إذ تظهر التكنولوجيا والطاقة والتصنيع والرعاية الصحية أداءً واعداً، في حين تواجه القطاعات الاستهلاكية غير الأساسية ضغوطاً متزايدة بفعل تراجع القدرة الشرائية لبعض الأسر.
السيناريو السلبي: مخاطر كامنة تحت السطح
يرى محللو غولدمان ساكس أن سردية النمو المستقر، المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتحفيز المالي، تخفي مخاطر حقيقية. فمستويات التقييم في الأسواق تبدو مرتفعة، مع وصول مؤشر “وارن بافيت” إلى نحو 220 بالمئة، وهو أعلى من مستوياته قبل تصحيح 2022، ما يزيد من قابلية السوق لهبوط مفاجئ.
كما أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، رغم كونه محركاً للنمو، قد يتحول إلى مصدر فقاعة إذا لم تتحقق مكاسب الإنتاجية المتوقعة أو إذا أدى إلى فقدان وظائف دون تعويض اقتصادي كافٍ.
ويُضاف إلى ذلك استمرار ما يُعرف بـ”الاقتصاد على شكل K”، حيث تتركز القوة الشرائية لدى الشرائح الأعلى دخلاً، ما يجعل أي تصحيح في الأسواق أكثر تأثيراً على الاستهلاك الكلي.
والاقتصاد على شكل K هو وصف لحالة اقتصادية تستفيد فيها فئات معينة بينما تتضرر فئات أخرى في الوقت نفسه؛ إذ تتحسن أوضاع أصحاب الدخل المرتفع والشركات الكبرى التي تملك أصولاً وأسهمًا، فترتفع ثرواتهم وقدرتهم على الإنفاق، بينما تعاني الفئات ذات الدخل المتوسط والمنخفض من ضغوط مثل ارتفاع الأسعار أو ضعف الأجور، فتتراجع قدرتها الشرائية، والنتيجة اقتصاد ينمو ظاهرياً، لكن ثماره غير موزعة بالتساوي، ما يزيد الفجوة بين الأغنياء وبقية المجتمع ويجعل أي صدمة مالية أكثر خطورة.
النظرة المستقبلية
رغم كل هذه المخاطر، لا يزال السيناريو الأساسي يشير إلى نمو معتدل يتراوح بين 2 بالمئة و2.5 بالمئة في 2026، مدعوماً بالسياسات المالية والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. كما يُتوقع أن تسهم تخفيضات الفائدة المرتقبة في دعم الأصول عالية المخاطر.
لكن الرسالة الأبرز من “غولدمان ساكس” واضحة: أي تصحيح كبير في سوق الأسهم قد يغيّر هذا المسار بسرعة، عبر كبح الإنفاق الاستهلاكي وتعميق نقاط الضعف الكامنة في الاقتصاد الأميركي.


