ويظهر مقطع فيديو نشره ناشطون على وسائط التواصل الاجتماعي نساء يحملن أواني بلاستيكية، أطفال يلتصقون بثياب أمهاتهم، رجال أنهكهم الصيام والقلق ينتظر وجبة بسيطة من مطبخ خيري، وجبة قد لا تتجاوز حدّ الكفاف، لكنها تكفي لكسر صيام يوم آخر في مدينة لم تلتئم جراحها بعد.
ويحلّ رمضان هذا العام على الخرطوم مثقلاً بآثار حرب اندلعت في منتصف أبريل 2023، وأجبرت الملايين على النزوح واللجوء.
وبعد أكثر من 33 شهرًا من التشتت، عاد بعضهم إلى العاصمة، لكن العودة لم تكن نهاية المعاناة، بل بداية اختبار جديد للبقاء.
مشاهد الاصطفاف أمام المطابخ الخيرية لم تعد استثنائية، بل صورة يومية لمدينة فقد أكثر من 60 بالمئة من سكانها مصادر دخلهم.
العمل شحيح، والمدخرات استُنزفت، والجنيه السوداني تهاوى فاقدًا أكثر من 500 بالمئة من قيمته، حتى بات الدولار يُتداول بنحو 3700 جنيه، بعدما كان في حدود 600 جنيه قبل الحرب.
أما في الأسواق، الأسعار تسبق قدرة الناس، وتتركهم خلفها عاجزين.
ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي، يعاني نحو 21 مليون شخص في السودان من الجوع الشديد. رقم ضخم، لكنه يأخذ وجهًا وصوتًا واسمًا، ويتجسد في يدٍ ممدودة تنتظر وجبة إفطار.
مطابخ الخير.. حين يضيق العطاء
في منطقة الحاج يوسف، تقف أسماء أحمد لساعات تشرف على توزيع الوجبات في مطبخ خيري.
تقول إن الأعداد تتزايد يومًا بعد يوم، وإن الوجبات التي كانت تكفي قبل أشهر لم تعد تلبّي نصف الاحتياج اليوم.
وتوضح بحزن ظاهر: “معظم الناس بلا دخل والأسعار ترتفع باستمرار، لكن تمويل المطابخ لا يرتفع”.
ومع شحّ الدعم، لم يعد أمامهم سوى تقليص الحصص إلى الحد الأدنى، وجبات بالكاد تسد الرمق، وتضيف: “نحاول أن نُطعم أكبر عدد ممكن، لكننا نضطر أحيانًا لتقسيم القليل على الكثير”.
ويحذّر برنامج الأغذية العالمي من أن عملياته في السودان تحتاج إلى 700 مليون دولار حتى يونيو المقبل، مؤكدًا أن غياب التمويل العاجل سيحرم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية.
عودة بلا خدمات.. وأسواق بلا رحمة
يُقدَّر عدد العائدين إلى الخرطوم بنحو 1.2 مليون شخص، من أصل 9 ملايين كانوا يعيشون في العاصمة قبل اندلاع الحرب.
أكثر من 70 بالمئة منهم من الفئات محدودة الدخل. عادوا إلى بيوت أنهكها الغياب، وأحياء تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وأسواق تضاعفت فيها الأسعار خلال ستة أشهر فقط.
لا يقتصر الضيق على الأسر الفقيرة، فهناك موظفون وأصحاب أعمال يشكون من تدهور الأوضاع المعيشية، ومن كثرة الرسوم والجبايات والعراقيل البيروقراطية التي تعترض طريق استئناف أعمالهم.
عبد الكريم علي، تاجر بقالة في أحد أحياء الخرطوم، يقول إن كثيرين اضطروا لإغلاق محالهم مجددًا بعدما عجزوا عن سداد الرسوم التي ارتفع بعضها بأكثر من 200 بالمئة.
ويقول: “فتحنا على أمل أن نبدأ من جديد، لكن التكاليف كانت أكبر من قدرتنا”.
وفي منشور على فيسبوك، عبّر رجل الأعمال الشاب خالد مأمون البرير، المنتمي إلى أسرة تملك مصانع للمنتجات الغذائية، عن غضبه مما وصفه بـ”الابتزاز والجشع”، محذرًا من الانسياق وراء دعوات العودة دون معالجة حقيقية للأوضاع الاقتصادية.
رمضان بطعم الصبر
في الخرطوم، لم يعد الإفطار مجرد موعد يومي لكسر الصيام، بل لحظة تختصر معركة يوم كامل مع الغلاء والبطالة وانعدام اليقين.
ورغم كل شيء، تستمر الطوابير. يستمر الانتظار. ويستمر الأمل، ولو كان بحجم وجبة توزَّع على عجل قبل أن يرتفع أذان المغرب.


