تصاعدت المخاوف مع شعور العديد من الأميركيين بعدم اليقين بشأن المستقبل، في ظل حالة من التباين بين المؤشرات الرسمية وواقع حياة الأسر، وهي حالة تناقض تثير النقاش حول مدى استدامة النمو الاقتصادي وقدرته على الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع بشكل متوازن.
انهيار الثقة
ويشير تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” إلى انهيار ثقة المستهلك الأميركي إلى “أضعف مستوى لها منذ أكثر من عقد”، متجاوزة أدنى مستوياتها خلال الجائحة، مما زاد المخاوف بشأن صحة أكبر اقتصاد في العالم.
- انخفض مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن Conference Board إلى 84.5 في يناير، وهو أقل بكثير من توقعات السوق وأدنى مستوى له منذ مايو 2014.
- كبيرة الاقتصاديين في مركز الأبحاث، دانا بيترسون، تقول: انهارت الثقة في يناير؛ إذ تعمقت مخاوف المستهلكين بشأن الوضع الحالي وتوقعاتهم للمستقبل”.
- إن حالة المزاج الاستهلاكي الكئيبة على الرغم من النمو الهائل الأخير في الناتج المحلي الإجمالي وبيانات الإنفاق القوية ستزيد من المخاوف من أن مكاسب أميركا الاقتصادية لا يتم توزيعها بشكل عادل.
يأتي ذلك في الوقت الذي يكافح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لإقناع الناخبين بأن وضعهم أفضل في ظل رئاسته مقارنة بما كان عليه في عهد سلفه جو بايدن.
وقال الرئيس ترامب يوم الثلاثاء: “الاقتصاد جيد، كل شيء على ما يرام. الأسعار تنخفض بشكل كبير، ولدينا الكثير من الأخبار الإيجابية للغاية”.
- أظهرت البيانات الرسمية الصادرة الأسبوع الماضي نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 4.4 بالمئة في الربع الثالث من عام 2025، ويتوقع بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا أن يقفز إلى 5.4 بالمئة في الربع الأخير من العام.
- وفي الوقت نفسه، نما الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي بنسبة 3.5 بالمئة في الربع الثالث، وفقاً لمكتب التحليل الاقتصادي، مما يشير إلى أن الأميركيين يواصلون الإنفاق ببذخ على المشتريات.
يقول محللون إن التناقض بين تلك البيانات وحالة التشاؤم لدى المستهلكين يشير إلى اقتصاد منقسم بشكل متزايد، حيث تستفيد أقلية غنية من الأمريكيين من ارتفاع سوق الأسهم، بينما تعاني الأغلبية الفقيرة من ارتفاع الأسعار.
ووفق كبير الاقتصاديين في بنك الاستثمار جيفريز، توماس سيمونز، فإنه:
- على الرغم من أرقام النمو والإنتاجية “القوية بشكل لا يصدق” للنصف الثاني من عام 2025، فإن “مقياس الثقة هذا وغيره يتصرف كما لو أن الاقتصاد في حالة ركود”.
- “على الأرجح، هذه هي نتيجة الاقتصاد ذي الشكل K، حيث تدعم الأسر ذات الدخل المرتفع والأكثر ثراءً مستويات إنفاق استهلاكي قوية، بينما تشعر الأسر ذات الدخل المنخفض بقلق متزايد بشأن سوق العمل وعودة التضخم.”
فجوة واضحة
من جانبه، يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- تراجع ثقة المستهلك الأميركي إلى أدنى مستوياتها منذ 12 عاماً يعكس فجوة واضحة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والواقع المعيشي للأسر.
- الأسر الأميركية تشعر بشكل مباشر بتداعيات سلبية للاقتصاد، حتى في ظل إظهار البيانات العامة قدراً من التحسن.
- رغم تراجع معدلات التضخم عن ذروتها، لا تزال تكاليف السلع والخدمات الأساسية – مثل السكن، والتأمين، والرعاية الصحية، والغذاء- أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة.
- “الأجور لم تلحق بهذا الارتفاع، لا سيما لدى الأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية الحقيقية”.
ويشير إلى أن “ارتفاع أسعار الفائدة غيّر طبيعة التوقعات الاقتصادية، حيث أصبحت القروض العقارية وقروض السيارات وأرصدة بطاقات الائتمان عبئًا طويل الأمد، وليس تحديًا مؤقتاً”.
ويتابع الرفاعي: “يزداد القلق كذلك بشأن الأمن الوظيفي مع تباطؤ وتيرة التوظيف وامتداد عمليات التسريح بهدوء إلى قطاعات تتجاوز التكنولوجيا”.
ويختتم حديثه بالقول:
- “الخطابات السياسية التي تتحدث عن نجاحات اقتصادية، بما في ذلك تلك الصادرة عن دونالد ترامب، لا تنجح في تغيير الواقع اليومي للمستهلك”.
- الثقة لا تُبنى على أرقام الناتج المحلي أو أداء الأسواق المالية، بل على شعور الناس بأن تكاليف الحياة أصبحت أقل عبئًا وأكثر قابلية للتنبؤ، وهو ما لا يتحقق في الوقت الراهن.
انتعاش مستدام
على الجانب الآخر، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن نائب كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، أيهان كوسه، قوله إن الاقتصاد الأميركي قد يشهد انتعاشاً مستداماً في حد سرعته، وهو تطور إيجابي لبقية العالم، إذ يبدو أنه يتجه نحو أضعف عقد من التوسع في نصف قرن
ويضيف: إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة غير متوقعة في مواجهة سلسلة من الصدمات، حيث سجلت الولايات المتحدة عامًا آخر من النمو القوي بشكل مفاجئ.
وقال نائب كبير الاقتصاديين إن هذا الرقم القياسي يثير احتمال أن يكون معدل النمو المحتمل – أو الوتيرة التي يمكن أن ينمو بها الناتج باستخدام جميع الموارد المتاحة ولكن دون تأجيج التضخم – أعلى مما هو مقدر حالياً، مردفاً: “نحن بحاجة إلى التفكير بشكل متزايد فيما إذا كان النمو المحتمل للاقتصاد قد ازداد”.
يقدر البنك الدولي أن الاقتصاد الأميركي نما بنسبة 2.1 بالمئة في عام 2025، مما سيرفع متوسط معدل نموه منذ عام 2022 إلى 2.6 بالمئة مقارنة بنسبة 2.2 بالمئة في العقد المنتهي في عام 2020. وهذا يستثني السنة الأولى من العقد عندما نما الاقتصاد بنسبة 6.2 بالمئة مع تعافيه من عمليات الإغلاق المتعلقة بجائحة كوفيد-19.
ووفق تقرير الصحيفة، يمكن اعتبار معدل النمو المحتمل بمثابة الحد الأقصى لسرعة نمو الاقتصاد. وهو أمر بالغ الأهمية لصناع السياسات لأنه يُشير إلى احتمالية تزايد الضغوط التضخمية، وكيفية أداء الإيرادات الضريبية. في الوقت الحالي، يُقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس معدل النمو المحتمل بنسبة 1.8 بالمئة.
يشير المعدل الأعلى إلى أن الاقتصاد يمكن أن ينمو بوتيرة أسرع دون أن يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي، ويشير إلى أن عجز الميزانية من المرجح أن يكون أصغر من المتوقع.
ترتبط التغيرات في معدل النمو المحتمل عادةً بالتغيرات في عدد السكان أو الإنتاجية. فمع زيادة عدد العمال، يمكن للاقتصاد أن ينمو بوتيرة أسرع دون أن يتعرض لارتفاع مفرط في النشاط، أو يمكن لنفس عدد العمال أن يصبحوا أكثر إنتاجية بفضل التكنولوجيا الجديدة.
قرارات ترامب
من واشنطن، يقول المحلل الأميركي عضو الحزب الديمقراطي، مهدي عفيفي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- ثقة المستهلك الأميركي في أداء الاقتصاد تشهد تراجعًا حادًا خلال الفترات الأخيرة.
- التقارير الاقتصادية الصادرة مؤخراً تعكس انخفاضاً واضحاً في مستويات الثقة عبر قطاعات متعددة من الحياة اليومية داخل الولايات المتحدة.
- أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع يتمثل في حالة التذبذب وعدم الاستقرار في القرارات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا سيما تلك المتعلقة بفرض الرسوم والضرائب والجمارك على البضائع المستوردة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على توافر السلع داخل الأسواق الأميركية.
ويشير إلى أن هذه السياسات أدت إلى انخفاض عدد البضائع المتاحة، بالتزامن مع حالة من عدم الاستقرار السعري، حيث اتجهت الأسعار إلى الارتفاع بشكل ملحوظ في العديد من القطاعات، الأمر الذي أثقل كاهل المستهلك الأميركي.
ويضيف أن الاقتصاد الأميركي يعتمد بشكل كبير على سلاسل الإمداد الخارجية، خاصة الواردات القادمة من الصين، تليها كندا والمكسيك، لافتاً إلى أن القرارات المتضاربة التي أعلنها ترامب دفعت الشركات والمصنعين إلى تقليص حجم المنتجات التي يتم استيرادها إلى الولايات المتحدة.
ويؤكد أن المستهلك الأميركي بات يلاحظ فروقاً واضحة في الأسعار خلال فترات قصيرة، وغالباً ما تكون هذه الأسعار أعلى من المستويات المعتادة، ما أسهم في تراجع الثقة بقدرة الإدارة الأميركية على التحكم في الأسعار، رغم أن خفض التضخم والسيطرة على أسعار السلع الأساسية، خصوصاً الغذاء والوقود، كانا من أبرز تعهدات الرئيس ترامب.
ويختتم حديثه بالقول: المواطن الأميركي اكتشف أن الدعاية التي روج لها ترامب لم تنعكس على أرض الواقع، إذ لمس بنفسه ارتفاع أسعار المواد الغذائية وكافة السلع بوتيرة غير مسبوقة، ما جعله يشعر بأنه يدفع ثمن قرارات اقتصادية متخبطة تؤثر سلبًا على جميع مناحي الحياة داخل الولايات المتحدة.


