إعلان ترامب أثار العديد من التساؤلات حول مدى جدية إيران في الدخول في حوار مباشر، وما إذا كان ذلك يعكس قلقًا من احتمال تعرضها لضربة عسكرية أميركية، أو مجرد خطوة تكتيكية تهدف إلى كسب الوقت.
المحلل السياسي الخاص بـ”سكاي نيوز عربية”، محمد صالح صدقيان، أشار إلى أنه “حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية من إيران تؤكد أنها تخلّت عن الحوثيين أو عن محور المقاومة بالكامل”، مضيفا أن “الموقف الإيراني العلني يؤكد استمرار الدعم لهذه الجماعات، خاصة في مواجهة إسرائيل”.
واستشهد صدقيان بتصريحات لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، ووزير الخارجية الإيراني، اللذين أكدا التزام طهران بدعم المحور الذي تعتبره ضروريا لحماية مصالحها.
هل تغير إيران موقفها من الحوثيين؟
رغم نفي إيران الرسمي لأي تراجع في دعمها للحوثيين، فإن تقارير عدة تشير إلى أنها بدأت بسحب بعض مستشاريها العسكريين من اليمن، وهو ما التقطه الإعلام الغربي باعتباره مؤشرًا على إعادة تموضع استراتيجي.
أستاذ العلوم السياسية في جامعة موري ستيت، الدكتور إحسان الخطيب، قال في حديثه لـ”سكاي نيوز عربية”: “إيران تعلم أن أي تصعيد مباشر مع واشنطن قد يكلفها الكثير، لذلك تلجأ إلى تكتيكات مرنة للحفاظ على مصالحها”.
وأضاف: “إيران تستخدم وكلاءها في المنطقة كورقة ضغط، لكنها لا تخوض معارك عنهم. وإذا رأت أن دعم الحوثيين بات عبئا استراتيجيا عليها، فمن الممكن أن تتخلى عنهم تدريجيا”.
وفي هذا السياق، لفتت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن واشنطن تمارس ضغوطا مكثفة على إيران لدفعها نحو مفاوضات مباشرة، وليس الاكتفاء بتبادل الرسائل أو التفاوض عبر وسطاء.
وأشارت إلى أن الإدارة الأميركية تسعى إلى منع طهران من كسب المزيد من الوقت، في ظل استمرار تخصيب اليورانيوم بمستويات مقلقة.
المفاوضات غير المباشرة: خطوة نحو التسوية؟
التقارير الصحفية تشير إلى أن اتصالات غير مباشرة جرت مؤخرًا بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في كل من سلطنة عمان وباريس ونيويورك، بهدف التمهيد لمفاوضات مباشرة لاحقًا.
المحلل محمد صالح صدقيان علّق على ذلك بالقول: “هناك تقدم في الاتصالات بين الجانبين، لكن الإيرانيين لا يريدون التسرع. يريدون التأكد من أن الإدارة الأميركية جادة في رفع العقوبات الاقتصادية، وليس فقط ممارسة الضغوط لتحقيق تنازلات أحادية من طهران”.
وتابع: “الإيرانيون تعلموا درسًا من انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، لذلك لديهم الآن حالة من عدم الثقة تجاه واشنطن. يريدون استكشاف نوايا الإدارة الأميركية قبل أن يقرروا الدخول في مفاوضات مباشرة”.
استراتيجية التصعيد المحسوب
من ناحية أخرى، تتزامن هذه التطورات مع تصعيد أميركي عسكري في المنطقة، حيث نشرت الولايات المتحدة طائرات هجومية إضافية وأرسلت 300 طيار إلى الشرق الأوسط، إلى جانب تعزيز وجود حاملات الطائرات في المنطقة.
وحول هذه التحركات، قال الدكتور إحسان الخطيب: “الإدارة الأميركية تمارس نهج الضغط الأقصى على إيران، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو الوجود العسكري المكثف. ترامب يريد أن يظهر القوة، لكنه في الوقت نفسه لا يرغب في الدخول بحرب مكلفة. هذه هي استراتيجيته في التعامل مع إيران”.
كما أشار الخطيب إلى أن “الضربات الأميركية على الحوثيين في اليمن تمثل رسالة غير مباشرة لطهران. صحيح أن الحملة العسكرية لم تنجح تماما في تدمير ترسانة الحوثيين، لكنها تمثل ضغطا على إيران للتراجع عن دعمهم، خاصة أن تكلفة هذه العمليات باتت مرتفعة، وقد تصل إلى مليار دولار قريبًا وفق تقديرات أميركية”.
اتفاق محتمل.. بين المكاسب الاقتصادية والملف النووي
رغم التصعيد الأميركي، فإن هناك مؤشرات على إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الطرفين. فقد نقلت مصادر غربية عن مسؤولين إيرانيين استعدادهم لطرح استثمارات أميركية كبرى داخل إيران، تصل قيمتها إلى تريليون دولار، في قطاعات مثل الطيران والبتروكيماويات.
وبحسب صدقيان، فإن “الإيرانيين يدركون أن أي صفقة مع ترامب ستكون ذات طابع اقتصادي بالدرجة الأولى. هم مستعدون لتقديم تنازلات محدودة في ملفهم النووي مقابل رفع العقوبات، لكنهم يريدون ضمانات بعدم تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي كما حدث في 2018”.
أما فيما يتعلق بالبرنامج النووي، فقد صرح الدكتور إحسان الخطيب قائلا: “إيران تستخدم ملفها النووي كأداة تفاوضية، وليس كمشروع عسكري حقيقي. هي ترفع وتيرة التخصيب عندما تشعر بالضغط، ثم تعرض خفضه عندما يكون هناك أفق لاتفاق جديد”.
بين التصعيد والحل السياسي
يبدو أن العلاقة بين واشنطن وطهران تمر بمرحلة مفصلية. فبينما تصر إيران على أنها لن تقدم تنازلات مجانًا، يواصل ترامب الضغط العسكري والاقتصادي لإجبارها على التفاوض بشروط أميركية. السؤال الأهم الآن: هل ستنجح استراتيجية الضغط الأقصى في إجبار طهران على تقديم تنازلات حقيقية، أم أن الإيرانيين سيجدون طرقًا جديدة للمراوغة وكسب الوقت؟
في ظل هذه التعقيدات، تبقى المفاوضات غير المباشرة الخطوة الأولى في مسار طويل من الشد والجذب، قد يقود إلى صفقة جديدة، أو ربما إلى تصعيد أكبر.