كانت كل الأجواء مهيأة لذلك، حيث نجح ميسي في آخر عامين في ذلك الوقت في تحقيق لقبين مع المنتخب الأرجنتيني، جاء أولها في بطولة كوبا أميركا في البرازيل عام 2021 وعلى حساب أصحاب الأرض في النهائي، وبعد ذلك بعام وستة أشهر نجح ميسي في رفع المونديال أمام أنظار العالم في مشهد تاريخي.
لكن ميسي، عوضا عن ذلك، واصل اللعب مع “راقصي التانغو”، وحقق معه لقب كوبا أميركا 2024 في الولايات المتحدة، وهي الفترة التي كان قد رحل فيها عن كرة القدم الأوروبية واتجه للعب في الدوري الأميركي مع إنتر ميامي، حيث لازال يرتدي قميص الفريق الذي يملكه النجم الإنجليزي الشهير دافيد بيكهام.
ولم يتحدث ميسي عن الاعتزال الدولي أو الابتعاد عن المنتخب، رغم أن الكثير من التكهنات دارت حول أنه لن يشارك في المونديال، لكن البرغوث تواجد في معسكر الأرجنتين في فترة التوقف الدولي في مارس الماضي، قبل أن تتأكد مشاركته في كأس العالم في سن 38 عاما.
ويبقى السؤال في تواجد ميسي في مونديال 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، هو مدى قدرته على تقديم الدور الأساسي مع الفريق مجددا ودعمه للجيل الجديد في المنتخب الأرجنتيني الذي من المتوقع أن يمر ببعض المتغيرات في السنوات المقبلة بعد اعتزال ميسي عقب المونديال، وهو أمر يبدو شبه مؤكد.
وفي أكثر من مناسبة، قال المدير الفني لمنتخب الأرجنتين ليونيل سكالوني، إن ميسي سيظل متواجدا مع المنتخب طالما كان قادرا على اللعب، لكن خوض 90 دقيقة بالنسبة له قد لا يكون مشهدا معتادا في المونديال مثلما كان في النسخ السابقة، التي شارك فيها “البرغوث”.
وبدأت حكاية ميسي مع المونديال بنسخة عام 2006 في ألمانيا، حيث كان ذلك الظهور هو الأول للاعب الشاب في ذلك الوقت (18 عاما)، وبدأ الجميع يتحدث عن خليفة محتمل للنجم الراحل الأسطورة دييغو مارادونا.
لكن خلافة مارادونا لم يكن سببها فقط وجود ميسي في مونديال 2006، لأنه كان قد برهن على إمكانياته وموهبته العظيمة في مونديال الشباب 2005 في هولندا، حيث قاد الفريق للتتويج بالبطولة وقدم مباريات ممتعة أبرزت موهبته الكبيرة وهو لازال لاعبا شابا في برشلونة.
وفي مونديال 2006 لم يكتمل الحلم الأرجنتيني وانتهى في دور الثمانية على يد ألمانيا بضربات الترجيح، وذلك رغم تقديم الفريق لمشوار مميز في البطولة بالفوز على كوت ديفوار بهدفين مقابل هدف واكتساح صربيا بستة أهداف نظيفة، والتعادل السلبي مع هولندا في المجموعات، ثم الفوز على المكسيك في دور الـ16.
وبعد ذلك بأربعة أعوام، كان ميسي قد نصب نفسه نجما للكرة العالمية، وحصل على جائزة أفضل لاعب في العالم عام 2009 بعد منافسة شديدة مع البرتغالي كريستيانو رونالدو الذي كان قد انتقل حديثا في ذلك الوقت لريال مدريد، لكن ميسي كان قد حصل على الثلاثية مع برشلونة وكان في أفضل أحواله.
وما زاد من تفاؤل الجماهير الأرجنتينية كان تواجد مارادونا مديرا فنيا للفريق في البطولة، ورغم أنه لم ينجح كمدرب، على الأقل مثل نجاحه كلاعب، لكن الثقة في وجود الثنائي كانت كبيرة.
ورغم ذلك جاء الإقصاء مجددا على يد الألمان في دور الثمانية، لكن هذه المرة برباعية نظيفة، ليغادر ميسي البطولة من دون تسجيل ولو هدف له في البطولة، مكتفيا بتقديم الدعم لزملائه حيث فاز الفريق على نيجيريا وكوريا الجنوبية واليونان في دور المجموعات، ثم تأهل في دور الـ16 على حساب المكسيك، قبل أن يخرج على يد المنتخب الألماني في ربع النهائي.
ووصل ميسي لقمة نضجه الكروي حينما انطلقت بطولة كأس العالم 2014 في البرازيل، لكنه سقط في النهائي أمام الألمان مجددا، ليخسر فريقه اللقب العالمي الذي ربما كان قريبا لو لم يضيع الفريق كل تلك الفرص أمام مرمى مانويل نوير.
وكانت نسخة عام 2018 هي الأكثر خيبة بالنسبة لميسي، حيث تأهل الفريق لدور الـ16 بصعوبة، بعد تعادل مخيب مع أيسلندا في بداية البطولة في مباراة شهدت إهدار ميسي ركلة جزاء، ثم الخسارة بثلاثية نظيفة أمام كرواتيا، قبل تحقيق فوز صعب على نيجيريا في الدقائق الأخيرة في المباراة الثالثة بدور المجموعات.
وفي دور الـ16 خسر منتخب الأرجنتين 3-4 أمام فرنسا، ليودع ميسي ورفاقه البطولة ويبدأ الحديث عن أزمة ميسي مع المنتخب الأرجنتيني بشكل متزايد.
قبل الخروج أمام فرنسا بعامين، أضاع ميسي ضربة جزاء أمام تشيلي في نهائي كوبا أميركا، ليخسر المنتخب الأرجنتيني للمرة الثانية على التوالي أمام نفس الخصم في نهائي البطولة، وذلك بعد المرة الأولى في عام 2015 في تشيلي.
وعانى ميسي انتقادات الجماهير الأرجنتينية التي لم تر فيه البطل الذي يمكنه صنع المعجزات مثلما كان مارادونا، ووصل الأمر إلى حد تفكير ميسي في الاعتزال دوليا، لكن ذلك لم يحدث وقاد الفريق مجددا في كوبا أميركا 2019 في البرازيل، حيث خسر الفريق أمام أصحاب الأرض بقبل النهائي في بطولة أخرى مخيبة لميسي.
لكن اللاعب الفذ نفض غبار خيبة الأمل في عام 2021، وقاد الأرجنتنين للفوز بكوبا أميركا على حساب البرازيل وعلى أرضها، وبعد ذلك بعام جاء التتويج بالمونديال الأغلى بعد معاناة كبيرة.
خسر رفاق ميسي في بداية البطولة أمام السعودية في مفاجأة كبيرة بدور المجموعات وعانى الفريق في المباراة الثانية أمام المكسيك حتى نجح ميسي في تسجيل هدف التقدم في الشوط الثاني، ومن هنا يمكن اعتبار أن المونديال بدأ بالنسبة لميسي.
قاد “ليو” الأرجنتين للفوز على بولندا في الجولة الثالثة والتأهل لدور الـ16، حيث واجه المنتخب الأسترالي الذي أقصى الدنمارك في دور المجموعات، لكن ميسي نجح مجددا في نثر سحره وقيادة الفريق للفوز والتأهل لدور الثمانية حيث جاءت المواجهة القوية أمام هولندا والتي فازت فيها الأرجنتين بركلات الترجيح.
وبعيدا عن واقعة مشادته مع فوتر فيجورست مهاجم هولندا الشهيرة، التي احتلت الصدارة في منصات التواصل الاجتماعي في تلك الفترة، قدم ميسي مجهودا خارقا خلال تلك المباراة والمباراة التي تليها في قبل النهائي أمام منتخب كرواتيا، الذي أطاح البرازيل في دور الثمانية، ليمهد ميسي الطريق لرفاقه لبلوغ نهائي المونديال أمام فرنسا في اللقاء الشهير.
وبعد 4 أعوام من النصر في ملعب “لوسيل” في الدوحة، لم يتراجع ميسي عن دعم منتخب الأرجنتين، وسيكون حاضرا في المونديال الأميركي الشمالي، فيما يبدو أنها “الرقصة الأخيرة” قبل خلع القميص الدولي نهائيا.


