الحدث، الذي شهد استدعاء تركيا لسفير إيران، يفتح باباً واسعا أمام قراءة استراتيجية لتصعيدات إقليمية محتملة، خاصة في ظل تحليلات الخبراء الدوليين الذين أكدوا أن الرسائل السياسية والدبلوماسية المتبادلة بين أنقرة وطهران تحمل أبعاداً متعددة المعاني.
تصعيد إيراني يواجه حزمًا تركيًا
وفق تصريحات أستاذ العلاقات الدولية سمير صالحة الى سكاي نيوز عربية، فإن رد الفعل التركي على إطلاق الصاروخ كان سريعا ورفيع المستوى، تضمن اتصال وزير الخارجية التركي بنظيره الإيراني واستدعاء السفير، مع إعلان رسمي عن تمسك أنقرة بحق الرد.
ويرى صالحة أن هذا التصعيد يمثل رسالة متعددة الأبعاد لإيران، تشمل تحذيراً من استمرار الاستهداف، وكذلك إشعاراً بمكانة الناتو في قلب المشهد الإقليمي، مع احتمالية تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف حال تكرار عمليات مماثلة.
وأشار صالحة إلى أن التصريحات الأخيرة للرئيس الإيراني ورئيس البرلمان تبدو متناقضة، حيث حاولت طهران الإيحاء بانفتاح دبلوماسي نحو الوساطات الإقليمية، في حين تواصل الهجمات على دول الخليج، ما يعكس تناقضاً استراتيجياً يعقد المشهد الإقليمي ويزيد من حدة التوتر.
حسابات تركيا وخط الرجعة الدبلوماسي
وأضاف صالحة أن تركيا تعتمد استراتيجية دقيقة في التعامل مع ملفات حساسة كهذه، تحافظ فيها على “خط الرجعة” في علاقاتها مع الدول الأخرى، لكنها تواجه تحدياً واضحاً أمام التصعيد الإيراني الأخير، خصوصاً بعد انتهاك إيران للقانون الدولي واستهدافها لدول الجوار.
وبحسبه، فإن استمرار طهران في هذه السياسات سيؤدي إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء الاستراتيجية التي قد تعقد الوضع الإقليمي بشكل متسارع.
كما أوضح أن النقاش السياسي والعسكري سيبقى محورياً في المرحلة المقبلة، في ظل موقف أميركي واضح يركز على ضرب البنية العسكرية الإيرانية وتغيير النظام داخلياً، فيما تركيا ترفض أي محاولة لتفتيت إيران أو إعادة تشكيل مكوناتها الداخلية، حفاظاً على استقرار المنطقة.
الناتو في قلب المشهد.. وصواريخ متجهة لقواعد الأطلسي
بدوره، ركز الأستاذ الزائر في الناتو والأكاديمية الملكية العسكرية ببروكسل سيد غنيم على الهدف الاستراتيجي من إطلاق الصاروخ، موضحاً احتمالية استهدافه قبرص اليونانية أو تركيا، لكنه أشار إلى أن المعلومات تشير إلى أنه قد يكون متعمداً لاستفزاز تركيا والناتو، وليس مجرد خطأ فني.
وأكد غنيم أن الناتو لم يشارك في أي هجوم، لكنه حرص على الظهور في المشهد لإظهار جاهزيته وحماية حلفائه، في وقت تبرز فيه التحديات الأوروبية حيال اتخاذ قرارات موحدة لمواجهة التهديدات الإيرانية، خاصة بعد تأثير الأزمة على أسعار الغاز في ألمانيا وارتفاع دور روسيا كلاعب مستفيد.
الرسائل الضمنية للصواريخ الإيرانية
وأشار غنيم إلى أن إيران غالباً ما تستخدم الهجمات كوسيلة لإيحاء الاستعداد للحرب، من دون الدخول في مواجهة مفتوحة على مستوى إقليمي كبير، ما يضاعف الضغط على الولايات المتحدة ويعطي الانطباع بالتحكم في مسار الأحداث، لكنه يوضح أن هذا التوتر يخدم مصالح إسرائيل وأميركا ضمن استراتيجية الأمن القومي، ويستهدف استقرار معسكر الدول العربية السنية في مواجهة نفوذ إيران الشيعي.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تتحرك لمواجهة الهجمات مباشرة، معتبرة أن الناتو مسؤول عن الدفاع، بينما الهجوم يظل من حق كل دولة أن تتصرف وفق مظلة شرعية محددة.
المعادلة الإقليمية بين الردع والاستفزاز
يرى صالحة اثناء مداخلته أن إيران، من خلال هذا التصعيد، تحاول اختبار ردود الفعل التركية والأطلسية، لكنها تقع في أخطاء استراتيجية تزيد من احتمالات الرد المتعدد الأطراف، خاصة مع استهداف قواعد بريطانية ضمن الناتو في قبرص، ما يعني تفعيل التعاون الجماعي وفق المادة الخامسة حال استمرار الاعتداءات.
كما أشار إلى أن استمرار الهجمات الإيرانية دون قراءة الرسائل السياسية قد يؤدي إلى المزيد من الأخطاء الاستراتيجية، فيما ستبقى تركيا مركزية في ضبط التوازن الإقليمي، مع الحفاظ على قدرتها على إدارة خطوطها الدبلوماسية بعناية.


