في هذا السياق، قدّمت الباحثة في الشؤون الإيرانية منى السيلاوي والباحث في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية فادي حيلاني، في مقابلة مع “سكاي نيوز عربية”، مقاربتين تحليليتين تستندان إلى قراءة بنيوية لتعقيدات الداخل الإيراني، وحدود الرهان الأميركي على إسقاط النظام أو إعادة تشكيله.
إمكانات التفاوض مع إيران
قالت الباحثة منى السيلاوي، خلال حديثها، إن ترامب أعلن استعداد بعض القيادات الإيرانية الجديدة للتفاوض مع الولايات المتحدة، مشيرة أن هذه الشخصيات، مثل علي لاريجاني، تعد الأكثر قدرة على قيادة الملف المدني داخل النظام، وتمتلك عقلية عملية قد تقبل الحوار مع الطرف الأميركي.
كما أشارت إلى أن الشخصيات الأكثر تطرفًا قد تم القضاء عليها، وأن بعض الشائعات تحدثت عن تصفيات ضمن صفوف عائلة خامنئي، بينما لا يزال عدد من الشخصيات المؤيدة للعلاقات مع الغرب، مثل جواد ظريف وحسن روحاني، على قيد الحياة، وقد يمثلون واجهة جديدة للنظام الإيراني للتعامل الاقتصادي والسياسي مع الدول الغربية، وفق تصورات ترامب.
الاحتجاجات الداخلية وظلال العنف
أوضحت السيلاوي أن الشارع الإيراني يشهد حالة من الاحتقان الاجتماعي نتيجة الأحداث الأخيرة، خصوصًا في المناطق الكردية، حيث نفذت مجموعات من الشباب هجمات على مقرات أمنية.
وأكدت أن حجم القتل خلال الأربعين يومًا الماضية كان هائلا، حيث تشير تقديرات المؤسسات الحقوقية إلى نحو 20 ألف قتيل، بينما تُقدر بعض المصادر الأخرى الرقم بين 30 إلى 60 ألفًا.
وأشارت إلى أن هذه الأحداث أثرت بشكل كبير على قدرة الشعب على تنظيم احتجاجات واسعة مستقبلا، خصوصًا في ظل ظروف الحرب الحالية، مشيرة إلى تفكك المجتمع الإيراني وصعوبة الاتفاق على قائد موحد يقود التغيير.
قوة الحرس الثوري وعوائق التغيير
تناولت السيلاوي دور الحرس الثوري، معتبرة أنه المؤسسة العسكرية والاقتصادية الكبرى في إيران، التي تمتلك أكثر من 60% من الاقتصاد الإيراني، وهو ما يجعلها صعبة التحدي أو الإضعاف.
وأكدت أن الولاء الأيديولوجي للحرس الثوري يجعل من الصعب تخليه عن السلطة أو أسلحته، على عكس جيش النظام أيام الشاه، الذي انهار بمجرد رحيله.
وأضافت أن الحرس الثوري يمتلك زمام الأمور في الدولة، وقد يلجأ إلى سيناريوهات انقلابية للحفاظ على السلطة، مع الأخذ في الاعتبار مشاعر الانتقام لدى المجتمع الإيراني بعد الاحتجاجات الأخيرة وارتفاع حدة العنف ضد المتظاهرين.
المعارضة الداخلية وتحديات الوحدة الوطنية
أوضحت السيلاوي أن المعارضة الداخلية، مثل حركة أبناء الشاه، تفتقر إلى قاعدة شعبية موحدة في جميع أنحاء إيران، وأن المكونات العرقية المختلفة، كالفرس والأتراك والبلوش والعرب، لديها مصالح متباينة، ما يحد من قدرتها على توحيد الشارع الإيراني.
وأضافت أن أي بديل للنظام يحتاج إلى رعاية خارجية، مثل الولايات المتحدة، لتشكيل ائتلاف قادر على القيادة، معتبرة أن فشل النظام الإيراني مرتبط بعدم احترامه لمكونات المجتمع الإيراني وغياب التمثيل العادل للأقليات.
السياسة الأميركية المتعددة المسارات
أوضح فادي حيلاني، الباحث في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية، خلال حديثه، أن ما يوصف أحيانًا بالتناقض في تصريحات الإدارة الأميركية تجاه إيران ليس بالضرورة ازدواجية سياسية، بل يعكس تبني واشنطن لمسارين متوازيين.
المسار الأول يركز على التشجيع على المفاوضات والسعي نحو اتفاق دبلوماسي، إذ كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعبر عن رغبته في التوصل إلى اتفاق مع طهران، بينما تواصلت التحضيرات العسكرية المكثفة في الوقت ذاته، ما أشار إلى قدرة الولايات المتحدة على الموازنة بين الحوار والضغط العسكري.
وأكد حيلاني أن التحشيدات العسكرية، التي تشمل الأهداف الاستراتيجية للمرشد الإيراني وقيادات الحرس الثوري والمخابرات، تعكس شراكة واضحة مع إسرائيل، وتهدف إلى إضعاف النظام الإيراني من الداخل وإحداث نوع من الشرخ في بنية السلطة، من خلال توجيه رسائل تكتيكية تعطي الانطباع بضعف النظام الإيراني وتفتح المجال أمام تغييرات محتملة في القيادة المستقبلية.
حدود الضربات العسكرية وتأثيرها على النظام
وأشار الباحث إلى أن الضربات الجوية مهما بلغت كثافتها لا تكفي لإسقاط النظام الإيراني، إذ يتطلب الأمر غزوًا بريًا أو أدوات داخلية تؤدي إلى انهياره، على غرار ما حدث في السيناريو السوري. وعليه، تعول الإدارة الأميركية على مفاعيل داخلية، تتمثل في الانقسامات داخل السلطة الإيرانية والمعلومات الاستخباراتية القادمة من رموز داخل النظام الذين قد يعارضون السياسات الحالية.
كما أوضح حيلاني أن ترامب يراهن على أن الشارع الإيراني قد يقوم بانتفاضات نتيجة إدراكه لإضعاف النظام، غير أن الباحث يستبعد أن يكون هذا الشارع قادرًا على إفراز قيادة جديدة، مؤكداً أن المرجعيات الأميركية تركز أكثر على التحولات داخل أجهزة السلطة الإيرانية نفسها.
الحرب قصيرة الأمد أم صراع ممتد؟
من منظور حيلاني، الحرب المحتملة لن تكون محدودة كسابقاتها، مثل حرب الأيام الاثني عشر التي خاضتها إسرائيل، أو عمليات محدودة مثل اعتقال مادورو، بل قد تمتد لأيام أو أسابيع، بما يتوافق مع رغبات إسرائيل في تحقيق أهداف شاملة تشمل القضاء على المشروع النووي الإيراني ومنصات الصواريخ الباليستية وتغيير سلوك النظام الحالي.
وأوضح الباحث أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يحمل تبعات سياسية خطيرة على الإدارة الأميركية، من بينها الحاجة للحصول على موافقة الكونغرس في حال امتدت العمليات العسكرية، فضلاً عن تأثير ارتفاع أسعار النفط على الانتخابات النصفية الأميركية، ما يجعل الحرب الطويلة غير ملائمة للرئيس ترامب.


