تقرير مؤتمر ميونخ حذّر بدوره من أن النظام الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية بات معرضاً للانهيار بفعل سياسات تقويض القواعد الدولية.
المستثمر الأميركي راي داليو اعتبر أن العالم يقف على أعتاب نظام لم تُكتب قواعده بعد، مشيراً إلى أن الحروب الكبرى تسبقها سنوات من الاشتباك الاقتصادي والمالي والتكنولوجي، ومحذراً من أن الصراع الأميركي–الصيني حول تايوان قد يكلّف الاقتصاد العالمي ما لا يقل عن 10 تريليونات دولار. في موازاة ذلك، خفّضت بكين حيازتها من سندات الخزانة الأميركية إلى أدنى مستوى منذ 2008، بتراجع يقارب 50بالمئة منذ 2013، بينما ارتفعت حصة اليوان في تمويل التجارة من 2 بالمئة عام 2020 إلى أكثر من 8 بالمئة حالياً، رغم أن الدولار لا يزال يتجاوز 50 بالمئة من المعاملات الدولية وفق “سويفت”.
نهاية العولمة وبزوغ نظام عالمي جديد
اعتبر محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي لشركة مزايا الغاف من لونيت، خلال حديثه الى برنامج “بزنس مع لبنى” على سكاي نيوز عربية أن العالم يمر بمرحلة تحول جذري نحو نظام عالمي جديد، مؤكدًا أن انتهاء العولمة أصبح واقعًا لا جدال فيه. وأوضح ياسين أن الصراعات الاقتصادية بين الحلفاء التقليديين، مثل أوروبا وكندا، تتجاوز الخلافات بين القوى الكبرى كأمريكا وروسيا أو أمريكا والصين، حيث تُستخدم السياسات الاقتصادية، لا سيما التعريفات الجمركية، كأدوات ضغط سياسي تمثل استمرارًا لاستراتيجيات التمويل الحكومي الأميركي، لكنها تتجاوز الأغراض المالية لتصبح وسيلة لتشكيل الواقع الاقتصادي والسياسي العالمي.
وأشار إلى أن أوروبا شهدت مؤخرًا ما يشبه “سباق تسلح اقتصادي”، حيث انتعشت الأسواق الأوروبية في العام الماضي بشكل ملحوظ، خصوصًا قطاع الدفاع، في سياق التغيرات الاستراتيجية التي فرضتها السياسات الأميركية.
العملات: الدولار تحت الضغط والتحولات المحتملة
أوضح ياسين أن استخدام الدولار كأداة ضغط اقتصادي أصبح محورًا رئيسيًا في الصراعات العالمية، مستشهدًا بحالات إيران وروسيا وأوكرانيا. وتناول الرئيس التنفيذي مسألة ظهور بدائل للدولار في التبادل التجاري، مشيرًا إلى أن الصين بدأت اعتماد اليورو واليوان كوسيلة دفع في بعض التعاملات الاقتصادية، ما أدى إلى “تفكك” الاعتماد الكامل على الدولار كعملة أساسية.
وأشار إلى أن نسبة تداول الدولار قد تنخفض من حوالي 70 بالمئة إلى 50 بالمئة خلال السنوات القادمة، ما يفتح المجال أمام عملات أخرى لتلعب دورًا أكبر في التجارة العالمية، مثل اليورو أو الين الياباني أو حتى الفرنك السويسري، وهو ما يستدعي التفكير في “سلة عملات” لضمان استقرار اقتصادي إقليمي.
الخليج وصناعة السياسات الاقتصادية
سلط ياسين الضوء على أهمية التحولات الاقتصادية للدول المنتجة للبترول، خاصة في الخليج، مؤكدًا أن انخراطها في أسواق الشرق الأقصى، وخصوصًا الصين، يعد توجهًا منطقيًا. وبيّن أن ضعف الدولار قد يؤثر على قوة السياسات الاقتصادية للدول النفطية، لكن التنويع في استخدام العملات الاحتياطية يمنحها القدرة على التحكم في التضخم وأسعار الفائدة بشكل مستقل عن سياسات الولايات المتحدة، ما يعزز من فاعلية خططها الاقتصادية الوطنية.
الدولار والفائدة: لعبة الإدارة الأميركية
تطرق ياسين إلى السياسة النقدية الأميركية، موضحًا أن خفض الفائدة في الولايات المتحدة يُستخدم كأداة لضمان إنتاجية المنتجات الأميركية وتصديرها بأسعار تنافسية، إلا أن هذا قد يؤدي إلى تذبذبات اقتصادية وأسواقية إذا لم يتم ضبطها بشكل دقيق. وأكد أن المستثمرين الأميركيين يتعاملون بحذر مع السوق، خاصة مع احتمال ارتفاع أسعار “الييلد” على السندات الأميركية إلى 5 بالمئة أو أكثر في حال أي خطأ في توقيت التخفيض، ما قد يخلق تأثيرات عالمية واسعة.
وأشار ياسين إلى أن السياسة الأميركية الحالية قد تسمح بانخفاض الدولار بنسبة 2 بالمئة إلى 5 بالمئة سنويًا، دون أن يؤثر ذلك على مكانته كعملة رئيسية خلال العقد المقبل، لكنه يفتح الباب أمام تغييرات تدريجية في أسواق العملات العالمية.
المعادن الثمينة: الذهب والفضة كأدوات استثمارية
أكد ياسين أن الذهب لا يزال يمثل “حافظ القيمة” الأبرز، خاصة في ظل مخاوف تذبذب الدولار، بينما تُعتبر الفضة أداة مضاربة إضافية مرتبطة تاريخيًا بالذهب، لكنها ليست منتجًا صناعيًا يعتمد عليه.
وأوضح أن أسعار الذهب على المدى المتوسط والثلاث سنوات القادمة تعتبر مناسبة للاستثمار، في حين أن عمليات المضاربة على الفضة يجب أن تُدار بحذر وفق حركة الأسواق.
البيتكوين والعملات الرقمية: بين المضاربة والاستثمار
انتقل ياسين لتحليل الوضع الرقمي، مؤكدًا أن البيتكوين لم يعد يحاكي الذهب كما كان يُعتقد، بل أصبح سلوكها أكثر تقاربًا مع حركة الدولار، ولا تعتبر اليوم أداة حقيقية لحفظ القيمة. وأوضح أن العملات الرقمية المستقبلية المدعومة من البنوك المركزية ستكون أداة لتسهيل تداول الأموال والتحويلات، لكنها تختلف عن البيتكوين في كونها أكثر استقرارًا وارتباطًا بالأنظمة الرسمية، ما يجعل البيتكوين اليوم أداة مضاربة وليست استثمارًا آمنًا.
المستثمرون واستراتيجيات التحوط
خلص ياسين إلى أن الأسواق تشهد تحولات في سلوك المستثمرين، مع تحركهم نحو القطاعات الدفاعية وتفضيل الأصول ذات الأداء المستقر مثل الشركات التي تحقق أرباحًا تشغيلية ثابتة، في ظل التذبذبات العالية في الأسواق المالية وأسواق السلع. وأكد أن الثقة اليوم محكومة بالتحولات الاقتصادية العالمية، وأن المستثمر الذكي عليه الاستعداد لمواجهة فترات التصحيح القوي في السوق، خاصة بعد فترات ارتفاع الأسعار الورقية في المعادن والسلع.
قدم الرئيس التنفيذي لشركة مزايا الغاف من لونيت رؤية شاملة لتحولات النظام الاقتصادي العالمي، مسلطًا الضوء على صراع العملات، دور الدولار، استراتيجيات الدول النفطية، وأهمية الذهب والفضة والبيتكوين في بيئة استثمارية متغيرة. ويبرز من حديثه أن السنوات القادمة ستشهد تحولات تدريجية قد تعيد رسم الخريطة الاقتصادية العالمية، مع ضرورة متابعة السياسات الأميركية وتأثيراتها على الأسواق الإقليمية والدولية.


