يأتي هذا التحول في وقت يشهد فيه النظام الدولي توتراً متزايداً بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، حيث تمتد المنافسة من الرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد التقليدية، إلى السيطرة على الموارد الاستراتيجية التي تُغذّي الصناعات المستقبلية. وهنا تبرز المعادن الأرضية النادرة كأحد أبرز ميادين هذا الصراع الصامت.
أصبحت هذه المعادن ورقة ضغط ومساومة في لعبة التوازنات الكبرى، تُستخدم لتعزيز النفوذ، وتأمين سلاسل التوريد، وتقليص الاعتماد على الخصوم. ومع اشتداد الاستقطاب العالمي، يتزايد حضور هذه الموارد في قلب الحسابات الاقتصادية والأمنية على حد سواء، وهو ما كان دافعاً للولايات المتحدة لاتخاذ خطوة جديدة لإنشاء مخزون استراتيجي.
أحدث التطورات:
استراتيجية أوسع
تقول أستاذة الاقتصاد والطاقة بالقاهرة، الدكتورة وفاء علي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- ما أعلن عنه ترامب يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى ضمان بقاء التفوق الأميركي لقرن قادم، وذلك عبر السعي للاستحواذ على المعادن النادرة في إطار الجغرافيا السياسية العالمية.
- الرئيس الأميركي يسعى لإنشاء مخزون استراتيجي من المعادن النادرة بقيمة 12 مليار دولار كتمويلات أولية، بهدف تعزيز “الاستثنائية الأميركية” ودعم النمو الصناعي، إلى جانب تقليل الاعتماد على ورقة الضغط الصينية، خاصة أن الصين تمتلك نحو 70 بالمئة من المعادن النادرة عالمياً.
- هذه الخطوة الأميركية تأتي أيضاً لتفادي مخاطر انقطاع الإمدادات في أي لحظة، ولا سيما في صناعات ترتبط مباشرة بالأمن القومي الأميركي، خصوصاً في ظل القيود الصينية المفروضة على التصدير.
وتضيف: “ترامب ينوي التركيز على معادن الليثيوم والكوبالت والنيوديميوم، نظراً لاستخداماتها الحيوية في صناعة البطاريات والصناعات الدفاعية”، لكنها تشير في المقابل إلى معضلة مفصلية تواجه هذه الاستراتيجية، تتمثل في سيطرة الصين على آليات التكرير والمعالجة لتلك المعادن.
وتؤكد أنه على المديين القصير والمتوسط لا تستطيع الولايات المتحدة الاستغناء الكامل عن المعادن النادرة الصينية، بل تحتاج إلى وقت كافٍ لبناء مخزون قياسي عميق يدعم الصناعات الدفاعية.
وتشير إلى أن السؤال العالق يتمثل في ما إذا كانت هذه الاستراتيجية قد جاءت متأخرة، معتبرة أن الصين “ركبت حصان طروادة” في هذا الملف، وأن اللحاق بها ليس أمراً سهلاً. كما تعتبر أن التحدي لا يقتصر على التمويلات فقط، بل يشمل أيضاً حشد العمالة الماهرة وسرعة إنشاء خطوط الإنتاج.
وتختتم حديثها بالقول:
- مشروع “القبو الأميركي” لإنشاء مخزون استراتيجي يحتاج إلى وقت طويل حتى يؤتي ثماره.
- في الوقت الراهن لا يمكن لأميركا الاستغناء عن المعادن الحرجة الصينية أو عن عمليات المعالجة المركزية التي تسيطر عليها الصين، في ظل هذا المعترك الحيوي لتحصين الصناعات الدفاعية.
جهود ترامب
وبحسب “بلومبرغ”، يشبه هذا الجهد مخزون النفط الاحتياطي الطارئ الحالي للبلاد. ولكن بدلاً من النفط الخام، سيركز على المعادن -مثل الغاليوم والكوبالت- المستخدمة في منتجات مثل أجهزة الآيفون والبطاريات ومحركات الطائرات النفاثة.
ومن المتوقع أن يشمل المخزون كلاً من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، بالإضافة إلى عناصر أخرى ذات أهمية استراتيجية تخضع لتقلبات الأسعار.
وينبه التقرير إلى أن ذلك يمثل التزاماً كبيراً بتجميع المعادن التي تعتبر حيوية للاقتصاد الصناعي -بما في ذلك قطاعات السيارات والفضاء والطاقة – ويسلط الضوء على جهود ترامب لفصل سلاسل التوريد الأميركية عن الصين، المورد والمعالج المهيمن للمعادن الحيوية في العالم.
خطوة محدودة
من جانبها، تقول الكاتبة والمحللة الصحافية الصينية سعاد يا شين هوا، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- ترامب يهدف لتعزيز احتياطيات الولايات المتحدة من هذه المعادن، وفي مقدمتها العناصر الأرضية النادرة.
- واشنطن، وبالتوازي مع ذلك، تسعى إلى التنسيق مع الحلفاء لبناء شبكات إمداد بديلة، في محاولة لخفض الاعتماد على الصين.
- غير أن فاعلية هذه الخطوة تظل محدودة ولا تتجاوز، برأيها، كونها إجراءً قصير الأجل يصعب أن يحقق اختراقًا جوهريًا.
وتوضح يا شين هوا أن قطاع العناصر الأرضية النادرة في الولايات المتحدة يعاني مأزقاً بنيوياً يتمثل في وجود المناجم دون سلسلة صناعية متكاملة، والإنتاج دون تنقية متقدمة. وتشير إلى أنه رغم امتلاك الولايات المتحدة عدة مناجم، فإنها تفتقر إلى طاقات محلية ناضجة للتكرير، وتعتمد على الصين في نحو 70 بالمئة من واردات مركّبات العناصر الأرضية النادرة. كما تؤكد أن الصين تحتكر قرابة 92 بالمئة من قدرات الفصل والتنقية عالمياً، وتكاد تهيمن منفردة على معالجة العناصر الأرضية النادرة الثقيلة.
وتتابع الكاتبة أن الشركات الأميركية السائدة لا تستطيع سوى معالجة العناصر الأرضية النادرة الخفيفة، مع وجود فجوة تقنية في مستويات النقاء والعمليات الأساسية تُقدَّر بما بين خمس وعشر سنوات مقارنة بالصين، في حين تعتمد الصناعات العسكرية والتصنيع المتقدم في الولايات المتحدة اعتمادًا شبه كامل على الإمدادات الخارجية لبعض العناصر الأرضية النادرة الثقيلة.
وتشير يا شين هوا إلى أن برنامج التخزين، في جوهره، يُعد إجراءً إسعافياً لا يوفر سوى مظلة إمداد تتراوح بين 60 و180 يوماً في حالات الطوارئ، ولا يمكنه أن يحل محل القدرات المنهجية لسلسلة صناعية متكاملة، على حدقولها. وتوضح أنه إذا أرادت الولايات المتحدة إعادة بناء سلسلة العناصر الأرضية النادرة، فستحتاج إلى دورة زمنية طويلة تمتد من ثماني إلى عشر سنوات، بتكاليف مرتفعة، فضلًا عن أعباء بيئية وعمالية، ما يضعف قدرتها التنافسية في السوق العالمية.
كما تؤكد أن احتياطيات العناصر الأرضية النادرة الثقيلة داخل الولايات المتحدة محدودة، وحتى الحلفاء القادرون على توفير بعض الخامات يفتقرون إلى قدرات المعالجة العميقة، الأمر الذي يُبقي الاعتماد غير المباشر على منظومة المعالجة الصينية قائماً.
وتختتم الكاتبة الصينية بالقول إن:
- برنامج التخزين قد يخفف، على المدى القصير، من مخاوف انقطاع الإمدادات ويهدئ تقلبات الأسعار، إلا أن مزايا الصين على المديين المتوسط والطويل، والمتمثلة في التراكم التقني وضبط التكاليف وتكامل السلسلة الصناعية، تبقى عصيّة على التقليد.
- جوهر المنافسة في ملف العناصر الأرضية النادرة هو قوة السلسلة الصناعية، فيما تفتقر محاولات الولايات المتحدة لنزع الاعتماد عن الصين إلى الجدوى الاقتصادية والتقنية.
- من المرجح أن يتبلور مستقبلًا نمط قنوات متعددة للإمداد مع استمرار الصين في موقع الريادة.


