استجابت الأسواق سريعاً للتطورات بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ثم الضربات الإيرانية المختلفة في الشرق الأوسط، لترتفع العقود الآجلة للنفط الخام بأكثر من 8 بالمئة في مستهل التعاملات إلى أعلى مستوياتها في عدة أشهر في أول تداول بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، لكنها قلصت مكاسبها بعد ذلك إلى نحو 5 بالمئة.
تُتداول العقود الآجلة لخام برنت عند 77 دولاراً للبرميل. فيما تتداول العقود الآجلة للخام الأميركي دون الـ 71 دولاراً للبرميل في أحدث التعاملات. وكان خام برنت قد سجل 82.37 دولار والخام الأميركي 75.33 دولار للبرميل في المعاملات المبكرة قبل تقليص المكاسب نسبياً.
وبحسب تقرير لشبكة “سي إن بي سي” الأميركية، فإنه:
- “لا يزال -عقب مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران- من غير الواضح من سيحكم في نهاية المطاف رابع أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك”.
- يتوقف رد فعل سوق النفط في نهاية المطاف على ما إذا كانت الحرب ستؤدي إلى تعطل مطول لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو أهم ممر مائي في العالم لتجارة النفط العالمية.
- محللو بنك يو بي إس بقيادة هنري باتريكو، يقولون: “نرى أن وتيرة انتعاش حركة المرور عبر مضيق هرمز ومدى الرد الإيراني عاملان أساسيان بالنسبة لسعر النفط في الأيام القليلة المقبلة”.
ونقل التقرير عن رئيس شركة ليبو أويل أسوشيتس، آندي ليبو، قوله إن “صادرات النفط الإيرانية قد تنهار أيضاً وسط حالة عدم اليقين بشأن كيفية إدارة الأمور في طهران، والاضطرابات الداخلية، والإضرابات العمالية في مناطق إنتاج النفط والموانئ”. وتنتج إيران حوالي 3.3 مليون برميل يومياً.
هل يصل النفط إلى 100 دولار للبرميل؟
وإلى ذلك، حذر محلل من بنك باركليز عملاءه في مذكرة يوم السبت من أن سعر خام برنت قد يصل إلى 100 دولار للبرميل مع تدهور الوضع الأمني في الشرق الأوسط.
وقال المحلل أماربريت سينغ من بنك باركليز : “لا يزال مصير هذا الوضع غامضاً للغاية في هذه المرحلة، ولكن في غضون ذلك، ستواجه أسواق النفط أسوأ مخاوفها.. ومن الصعب المبالغة في تقدير التأثير المحتمل على أسواق النفط”.
فيما أفاد محلل من بنك يو بي إس لعملائه بأنه من المحتمل أن تشهد السوق اضطراباً كبيراً يدفع أسعار خام برنت الفورية إلى ما فوق 120 دولاراً للبرميل.
تقلبات سعرية
من جانبه، يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- أي تبادل عسكري يشمل إيران من شأنه أن يرفع فوراً مستوى المخاطر في سوق النفط.
- نحو خُمس استهلاك السوائل البترولية العالمي يمر عبر مضيق هرمز، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وهو ما يفسر ردود الفعل السريعة للأسعار تجاه أي تطورات ميدانية في المنطقة.
- السيناريو المرجح على المدى القريب يتمثل في تقلبات سعرية ملحوظة بدلاً من موجة ارتفاعات حادة ومستدامة، ما لم تتعرض حركة الملاحة لتعطل فعلي مستدام.
- التجارب التاريخية في الشرق الأوسط أظهرت أن التوترات التي لم تمس البنية التحتية للتصدير أدت غالباً إلى ارتفاعات مؤقتة سرعان ما تراجعت مع عودة الإمدادات إلى طبيعتها.
- جزء مهم من قوة الأسعار الحالية يعكس علاوة مخاطر جيوسياسية، وليس نقصاً مؤكداً في المعروض.
ويوضح أنه “في حال تعرضت الملاحة في مضيق هرمز لتهديد، فإن أي تعطّل أطول ولو جزئي قد يؤدي إلى سحب ملايين البراميل يومياً من التجارة البحرية، ما يضع الأسواق أمام اختبار حقيقي”.
ومع ذلك، يشدد على أن هناك آليات امتصاص للصدمات، إذ تشير تقارير كل من إدارة معلومات الطاقة الأميركية ومنظمة أوبك إلى وجود طاقة إنتاجية فائضة لدى أوبك (..) فضلاً عن دعم إضافي توفره المخزونات التجارية لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على المدى القصير، إلى جانب إمكانية اللجوء إلى الاحتياطيات الاستراتيجية في حال تنسيق الحكومات لعمليات إفراج منظم عنها.
ويختم حديثه بالتأكيد على أنه إذا بقيت الاضطرابات محصورة وتجنبت استهداف منشآت النفط أو ممرات الشحن، فمن المرجح أن تعيد الأسواق سريعاً تركيزها إلى العوامل الأساسية، وفي مقدمتها نمو الطلب العالمي، وإنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وسياسة الإنتاج التي تعتمدها مجموعة أوبك+.
بدأت ناقلات النفط بالتجمع عند مضيق هرمز، لكن لا يبدو أن هناك أي حركة في الوقت الحالي، و “من المؤكد أن ناقلات النفط تشعر بالخوف”، بحسب ما نقلته الشبكة الأميركية عن محلل النفط في شركة الاستشارات في مجال الطاقة Kpler، مات سميث.
تأثير مؤقت أم لفترة أطول؟
ويشير تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أنه:
- من المرجح أن تكون الزيادة في أسعار النفط مؤقتة إذا نجحت الولايات المتحدة في حسم المواجهة مع إيران وأقامت مظلة أمنية للسفن العابرة عبر مضيق هرمز، بحسب ما قاله المحلل لدى CGS International، ريموند ياب، في مذكرة بحثية.
- وأشار إلى أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط دفع بعض ناقلات النفط إلى تجنب المرور عبر الممر الملاحي، ما تسبب في اضطراب التدفقات.
كان تحالف أوبك بلس قد أعلن زيادة في الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يومياً اعتباراً من أبريل، وهو ما قد يسهم في تخفيف مخاطر نقص الإمدادات.
على الجانب الآخر، ينقل التقرير عن وارن باترسون من ING في مذكرة بحثية، قوله إن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط.
وقال رئيس استراتيجية السلع في البنك: “لا تزال الأحداث في مراحلها الأولى وتتطور بوتيرة سريعة، لكن لا يبدو أن هذا التحرك العسكري سيكون سريعاً وقصير الأمد”.
وأضاف أن خام برنت قد يتداول ضمن نطاق يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل، مع مخاطر بمزيد من الارتفاع نحو 100 دولار، بل وحتى 140 دولاراً للبرميل في أسوأ السيناريوهات، إذا ما شهدنا اضطرابات كبيرة وممتدة في إمدادات النفط.
وفي السياق، نقل تقرير لـ “رويترز” صباح الاثنين عن محللين توقعاتهم بأن تظل أسعار النفط مرتفعة خلال الأيام المقبلة مع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، مع تقييمهم لتأثير ذلك على الإمدادات، لاسيما التدفقات عبر مضيق هرمز الذي يمثل قناة لنقل أكثر من 20 بالمئة من النفط العالمي.
أبرز السيناريوهات
وإلى ذلك، يقول المدير التنفيذي لشركة V I markets، أحمد معطي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” إن تطورات الحرب الحالية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لكل منها انعكاسات مباشرة على الأسواق العالمية.
- السيناريو الأول هو “سيناريو فنزويلا”، إذ يتمثل في حرب سريعة تنتهي خلال فترة قصيرة جداً، وهو احتمال مستبعد، لكنه يظل قائماً نظرياً. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن التأثير على أسواق المفط سيكون محدوداً ومؤقتاً، دون تداعيات كبيرة على الأصول أو حركة التداول.
- السيناريو الثاني يتمثل في استمرار العمليات العسكرية لفترة تتراوح بين أسبوع وشهر، مع استمرار الرد العسكري المباشر من إيران ضد الولايات المتحدة أو حلفائها.. في حال استمرار التصعيد لعدة أيام إضافية، قد نشهد تحركات تتراوح بين 5 بالمئة و10 بالمئة في الأسواق.
- السيناريو الثالث هو امتداد للسيناريو الثاني ولكن لفترة أطول قد تصل إلى ثلاثة أشهر أو أكثر. ورغم استبعاده لهذا الاحتمال، يشدد معطي على ضرورة وضعه ضمن الحسابات في ظل ضبابية المشهد العسكري. ويلفت إلى أنه في حال تحقق هذا السيناريو الممتد، فقد تتضاعف التحركات سواء في تراجعات الأسهم أو في ارتفاعات النفط والذهب، مع تصاعد حالة القلق في الأسواق العالمية.
ويعتقد معطي في ضوء السيناريو الثاني الأكثر بزوغاً، أن تستقر أسعار النفط إلى مستويات الـ 80 دولاراً للبرميل، مدفوعة بمخاوف اضطراب الإمدادات.
وفي ما يتعلق بالعملات والأسهم، يرجّح معطي تراجع الدولار الأميركي، إلى جانب انخفاضات في مؤشرات الأسهم الأميركية مثل مؤشر الداو جونز، وكذلك الأسهم الأوروبية والعالمية بشكل عام، باعتبارها من أكثر الأصول حساسية للتحركات الجيوسياسية العنيفة.
ويضيف:
- إغلاق مضيق هرمز قد يمثل تطوراً خطيراً للغاية، لما له من تأثير مباشر على حركة الملاحة العالمية، لا سيما أن المضيق يُعد من أهم الممرات لعبور النفط والسلع الاستراتيجية.
- سيناريو الإغلاق في هذا المسار سينعكس فوراً على ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة معدلات التضخم عالمياً.


