ورغم الرهان الرسمي على قطاعات التكنولوجيا المتقدمة لتعويض الفراغ، إلا أن المؤشرات الأخيرة الصادرة عن “ستاندرد آند بورز” تدق ناقوس الخطر، إذ تكشف أن الركود لم يكتفِ بالبقاء، بل بدأ يلتهم القلاع الحصينة في المدن الكبرى مثل بكين وشنتشن.
ومع تراكم فائض المساكن غير المباعة للعام السادس على التوالي، يبدو أن “حلقة مفرغة” قد تشكلت بين انهيار الأسعار وتآكل ثقة المستهلك، مما يضع صناع القرار أمام استحقاقات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. هذا الواقع يفرض مواجهة مباشرة مع أسئلة المرحلة الأكثر إلحاحاً: هل دخلت أزمة العقارات الصينية بالفعل نفقاً مسدوداً بعد أربعة أعوام من الركود المستمر؟ وهل استنفدت بكين كافة حلولها الممكنة أمام فائض المعروض الذي بات يهدد بتعطيل محركات النمو الوطني؟
وبحسب تقرير نشرته شبكة “سي إن بي سي” واطلعت عليه “سكاي نيوز عربية”، فإن المشهد العقاري في الصين يتجه نحو قاع جديد، حيث خفضت وكالة “ستاندرد آند بورز” العالمية للتصنيفات الائتمانية توقعاتها لمبيعات العقارات الأولية، مرجحةً انخفاضها بنسبة تتراوح بين 10بالمئة و14 بالمئة خلال عام 2026. هذا التراجع الحاد يأتي ليعمق جراح القطاع الذي شهد تقلصاً في حجم مبيعاته السنوية إلى النصف تقريباً خلال أربع سنوات فقط، منتقلاً من قمة بلغت 18.2 تريليون يوان في عام 2021 إلى نحو 8.4 تريليون يوان بنهاية العام الماضي.
وأكد المحللون في مذكرة الوكالة أن الأزمة باتت “متجذرة” بفعل تخمة المساكن المكتملة وغير المباعة التي تراكمت للعام السادس على التوالي، مشيرين إلى أن “الحكومة وحدها هي التي تملك القدرة على استيعاب هذا الفائض”. ورغم محاولات الدولة شراء الوحدات المتعثرة لتحويلها إلى سكن ميسور التكلفة، إلا أن التقرير وصف هذه الجهود بأنها “متقطعة وغير كافية” حتى الآن لمواجهة تآكل ثقة المشترين، وهي الحلقة المفرغة التي تضغط على الأسعار لتنخفض بنسبة إضافية تتراوح بين 2 بالمئة و4 بالمئة هذا العام.
تآكل قلاع الاستقرار في المدن الكبرى
وما يثير قلق الأوساط الاقتصادية بشكل خاص، وفقاً لتقرير “ستاندرد آند بورز”، هو تفاقم انخفاض الأسعار في المدن الصينية الكبرى خلال الربع الأخير من العام الماضي. فبينما كانت بكين وقوانغتشو وشنتشن تُعتبر تاريخياً “نقطة الانطلاق” لأي تعافٍ وطني، سجلت هذه المدن تراجعاً في الأسعار بنسبة لا تقل عن 3 بالمئة، لتبقى شنغهاي الاستثناء الوحيد بنمو قدره 5.7 بالمئة. هذا التحول يشير إلى أن الركود لم يعد محصوراً في الأطراف، بل بدأ يضرب مراكز الثروة التي كانت تعتبر ملاذاً آمناً للمستثمرين.
أزمة “فانكي”: سقوط آخر القلاع
وفي سياق هذا التدهور، تسلط الأضواء بشكل مكثف على شركة “تشاينا فانكي”، التي كانت تُصنف لسنوات كواحدة من أكثر المطورين انضباطاً وسلامة من الناحية المالية. وبحسب تقارير حديثة نشرتها وكالة “بلومبرغ” واجهت الشركة ضغوط سيولة خانقة دفعتها مؤخراً للمطالبة بتأجيل سداد جزء من ديونها.
ويعكس تعثر “فانكي” تحولاً جوهرياً، فبينما كان الانهيار في عام 2021 محصوراً في الشركات المثقلة بالديون مثل “إيفرغراند”، فإن وصول الضغوط إلى “فانكي” يؤكد أن الانكماش بات يهدد حتى الشركات التي تحظى بدعم حكومي جزئي.
وحذرت “ستاندرد آند بورز” من سيناريو قاتم، فإذا انخفضت المبيعات بنسبة 10 نقاط مئوية إضافية عن التوقعات الحالية، فإن أربعاً من كل عشر شركات تطوير عقاري تصنفها الوكالة ستواجه ضغوطاً حادة لخفض تصنيفها الائتماني، مما قد يؤدي إلى موجة تعثرات جديدة تزيد من تعقيد المشهد المالي في البلاد.
وعلى الرغم من هذا النزيف، لا تزال بكين تتبنى نهجاً حذراً في تقديم دعم مباشر لقطاع العقارات، مفضلةً توجيه الموارد نحو الصناعات عالية التقنية والذكاء الاصطناعي. إلا أن تقرير شبكة “سي إن بي سي” نقل عن مجموعة “روديوم” للأبحاث تحذيراً مفاده أن “النمو في قطاع التكنولوجيا ليس ضخماً بما يكفي لتعويض خسائر القطاع العقاري”، مما يجعل الاقتصاد الصيني أكثر ارتهاناً للصادرات في ظل تصاعد التوترات التجارية العالمية.
تحول الفلسفة الحكومية
في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية أوضح الخبير الاقتصادي هاشم عقل، عضو مجلس أمناء مركز الشرق الأوسط للدراسات الاقتصادية أن قطاع العقارات الصيني يدخل عام 2026 وهو في “منطقة حرجة” تتأرجح بين محاولات التثبيت القسري ومخاطر الانزلاق إلى ركود هيكلي طويل الأمد، وذلك بعد أربعة أعوام من الانكماش (2021-2025).
وأكد أن الصين لم تستنفد حلولها بعد، لكنها “غيرت فلسفتها بالكامل”، حيث طوت بكين رسمياً صفحة سياسة “الخطوط الحمراء الثلاثة” التي تسببت سابقاً في تجفيف سيولة المطورين، واستبدلتها بآليات أكثر مرونة، أبرزها:
- آلية القائمة البيضاء: حيث أوضح عقل أن التركيز انتقل من دعم “الشركات” إلى دعم “المشاريع” بذاتها، لضمان إتمام البناء وتسليم الوحدات للمشترين وحماية حقوق الأفراد.
- نموذج “الشراء من أجل التأجير”: وهو توجه حكومي لشراء فائض المعروض وتحويله إلى “إسكان ميسر”، في محاولة لتقليل المخزون وحل أزمة السكن لذوي الدخل المحدود.
معضلة “الجغرافيا”
ورغم هذه التحولات، أشار عقل إلى أن النفق لا يزال يبدو مسدوداً في زوايا معينة، معزياً ذلك إلى “الفجوة الجغرافية”، حيث يتركز الطلب في مدن الدرجة الأولى بينما تتكدس ملايين الوحدات في “مدن الظل” الصغرى التي تعاني نزيفاً سكانياً، مما يجعل خطط الشراء الحكومي غير ذات جدوى اقتصادية هناك.
كما لفت إلى “أثر الثروة السلبي”، حيث أن انخفاض الأسعار بنسبة وصلت إلى 20 بالمئة في بعض المناطق مقارنة بـ 2021، دفع الأسر الصينية —التي ترتبط 70 بالمئة من ثرواتها بالعقار- إلى تفضيل الادخار على الشراء.
وشدد عقل على أن شركة “فانكي” تمثل الحالة الأكثر إثارة للقلق في عام 2026، فبعد أن كانت تُعتبر “الناجي الأخير” والعملاق الأكثر انضباطاً، فإن دخولها دوامة الأزمة الآن يعني أن المشكلة لم تعد تتعلق بالشركات “المتهورة” فحسب، بل طالت حتى الكيانات المدعومة من الدولة.
وبينما يتوقع متشائمون، مثل “سيتي غروب”، انخفاضاً إضافياً في المبيعات بنسبة 11 بالمئة نتيجة تحول الأزمة من “سيولة” إلى “ثقة”، يرى عقل أن بكين قد تقبل بواقع جديد، وهو أن العقار لن يكون قاطرة النمو السريع، بل قطاعاً خدمياً تسعى الدولة لتحويله إلى حالة من “الاستقرار الهادئ” والنمو النوعي ضمن خطتها الخمسية الخامسة عشرة.
بداية مرحلة صعبة
من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لمركز “كوروم” للدراسات الاستراتيجية،طارق الرفاعي، في حديث خاص لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: “لدى مقارنة أزمة العقارات في الصين بفقاعة اليابان في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، نجد أن الحقيقة المُرّة تكمن في أن اليابان تُظهر مدى طول أمد هذه الأزمة. فبعد انفجار فقاعة العقارات والأسهم في اليابان حوالي عام 1990، استغرق الأمر أكثر من عقد من الزمان حتى تعافت الميزانيات.
وأضاف: “وفي بعض النواحي، لم يعد سوق العقارات إلى مستوياته السابقة. وهنا يمكن القول إن وضع الصين أكثر حدة. فحجم البناء، والرافعة المالية، وتعرض الأسر للعقارات أكبر، ومشكلة فائض العرض هيكلية وليست دورية”.
وأشار الرفاعي إلى أن الصين جربت على مدى السنوات الأربع الماضية، كل شيء تقريباً:
- خفض أسعار الفائدة
- تخفيف قواعد الشراء
- دعم المطورين
- والتدخل الحكومي المباشر
لكن لم يُفلح أيٌّ من ذلك في استعادة ثقة المشترين أو استقرار الأسعار في المدن الكبرى، بحسب الرفاعي، الذي أوضح أن أسهم العقارات المدرجة في البورصة لا تزال مُنخفضة بشدة، مما يُشير إلى أن الأزمة لم تصل إلى نقطة تحول بعد.
وختم الرئيس التنفيذي لمركز “كوروم” للدراسات الاستراتيجية الرفاعي بأن “الصين ليست في طريق مسدود بقدر ما هي في بداية مرحلة صعبة، حيث يُؤدي مرور الوقت، وشطب الأصول، وتباطؤ النمو إلى تفاقم الوضع، تماماً كما هو الحال في اليابان، ولكن على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً.


