صحيفة “نيويورك تايمز”، قالت إن تراجع الرئيس الأميركي عن مطلبه بضم غرينلاند، بعد أسابيع من التصعيد والتهديد، يكشف حدود ما يمكن أن تبلغه “دبلوماسية الإكراه” التي يعتمدها في تعاطيه مع الحلفاء.
فبعد أن لوّح بأكبر عملية توسّع جغرافي في تاريخ الولايات المتحدة، عاد ليطرح صيغة غامضة لا ترقى إلى مستوى التهديدات السابقة، تاركا خلفه شرخا واضحا في الثقة داخل التحالف الغربي.
وكما هي عادته، بدأ ترامب بمطلب أقصى: مطالبة دولة أوروبية صغيرة وحليفة بالتنازل عن إقليم شاسع ومتجمد، بدعوى متطلبات الأمن القومي الأميركي.
وكان واضحا أن الرئيس يختبر حدود التحالف الأطلسي، معتبرا أن تسليم الأرض ثمن بسيط يجب على الدول الأصغر دفعه مقابل استمرار الحماية الأميركية.
وقال ترامب صراحة في خطابه أمام نخبة العالم في دافوس، حين قال متذمرا من الدنمارك: “نريد قطعة من الجليد لحماية العالم، وهم لا يعطوننا إياها”، مضيفًا بنبرة تهديد مبطّنة: “يمكنكم أن تقولوا نعم، وسنكون ممتنين جدا. أو تقولوا لا، وسنتذكر ذلك”.
وعندما جاء التراجع، جاء غامضا، إذ أعلن ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن التوصل إلى “إطار لاتفاق مستقبلي”، لا يشبه بأي حال فكرة الملكية الأميركية الكاملة.
ثم، على متن الطائرة الرئاسية، طرح فكرة أقرب إلى استئجار طويل الأمد لتوسيع القواعد العسكرية الأميركية في غرينلاند، بمدة قال إنها “غير محدودة”، وبصلاحيات “نفعل فيها ما نشاء”.
وعندما سُئل عن كيفية تجاوز هذا الترتيب لاتفاقية عام 1951، التي تمنح الولايات المتحدة أصلا حقوقا شبه مطلقة في نشر القوات والصواريخ والطائرات والبحرية الأميركية في غرينلاند، اكتفى بوصفه بأنه “اتفاق أكثر سخاء”.
الخلاصة أن تراجع ترامب، وإن خفف حدّة الأزمة الآنية، ترك ندبة طويلة الأمد في الثقة داخل الناتو. فسياسة الضغط القصوى قد تحقق مكاسب تكتيكية، لكنها حين تُستخدم مع الحلفاء، تفرض كلفة استراتيجية قد يصعب ترميمها سريعًا.
وكتب ترامب على منصة “تروث سوشال”: “استنادا إلى اجتماع مثمر للغاية عقدته مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، توصلنا إلى إطار لاتفاق مستقبلي يتعلق بغرينلاند، وفي الواقع بالمنطقة القطبية بأكملها”.
وأضاف أن “هذا الحل، إذا تم إنجازه، سيكون رائعا للولايات المتحدة الأميركية وجميع دول الناتو”.
وأشار ترامب إلى أنه “وبناء على هذا التفاهم، لن أفرض الرسوم الجمركية التي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير”.
كما كشف أن “مناقشات إضافية تجرى بشأن مشروع القبة الذهبية كما يتعلق بغرينلاند”، لافتا إلى أن “مزيدا من المعلومات سيعلن مع تقدم المناقشات”.
وأوضح الرئيس الأميركي أن نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، “وآخرين حسب الحاجة”، سيتولون مسؤولية المفاوضات، “وسيرفعون تقاريرهم مباشرة إلي”.


