وفي بورتسودان، العاصمة الإدارية لسلطة الجيش، تجري محاكمات غيابية بحق عشرات المدنيين الداعين للسلام ووقف الحرب، من بينهم عبد الله حمدوك رئيس تحالف “صمود”، إضافة إلى صحفيين وحقوقيين. وفي المقابل، يقبع مئات الناشطين المدنيين في سجون عدد من المدن، بتهم يرتبط معظمها بالمطالبة بالحكم المدني ووقف الحرب، ما فجر مخاوف من انهيار منظومة العدالة وتسييسها.
وكانت الأمم المتحدة قد حذرت من أن انهيار أنظمة العدالة في السودان يقوض حماية حقوق المدنيين.
وتشير تقارير صادرة عن مجموعة محامو الطوارئ وم العالم نيوزحقوق الإنسان إلى أن عدد المعتقلين المدنيين في مناطق سيطرة الجيش يتراوح بين 3 و5 آلاف شخص، من بينهم سياسيون وناشطون في لجان المقاومة ومتطوعون في العمل الطبي، إضافة إلى اعتقالات على خلفيات عرقية.
أحكام مثيرة للجدل
تقول منظمات حقوقية إن المحاكم الواقعة تحت سيطرة الجيش سجلت منذ اندلاع الحرب اتهامات بحق نحو 80 شخصا لأسباب سياسية أو عرقية، بذريعة التعاون مع قوات الدعم السريع، في وقت تشير فيه بيانات النيابة العامة إلى وجود أكثر من 15 ألف دعوى قيد التحقيق.
وشهدت الأشهر الماضية صدور أربعة أحكام بالإعدام، إضافة إلى أحكام بالسجن المؤبد والسجن لمدد تصل إلى عشر سنوات، وقد نُفذ بعضها بالفعل.
كما وثقت تقارير حقوقية توجيه اتهامات جنائية لأكثر من 25 امرأة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، بدعوى “التعاون” مع الدعم السريع، من بينهن قاصرات وشابات تتراوح أعمارهن بين 19 و26 عاما.
ورغم نفي السلطات العدلية تسييس هذه القضايا، وتأكيدها أن الإجراءات تستند إلى القانون الجنائي وقانون مكافحة الإرهاب، تؤكد جهات حقوقية محلية ودولية أن المحاكمات تخضع لتأثيرات سياسية واضحة، وتتم في ظل نظام عدلي مختل التوازن.
ويقول المستشار كمال الأمين إن ما يجري يمثل “انتحارا كاملا لفكرة القانون”، مضيفا في حديثه لسكاي نيوز عربية: “حين تدخل عناصر مسلحة إلى قاعات المحاكم، ويمنع المحامون من الدفاع عن موكليهم، وتفرض الميليشيات إرادتها، نكون أمام مسرحية تقدم باسم العدالة، وتستخدم لغة القانون لتنفيذ أحكام ثأر سياسي”.
ويرى الأمين أن الانهيار لا يطال المتهمين فقط، بل يشمل القضاة أنفسهم الذين تحولوا إلى “أدوات في يد السلطة، وموظفين يوقعون على قرارات اتخذت في غرف مظلمة بعيدا عن العدالة”.
خلل عدلي
ووفقا لبيان وقعه مئات المحامين والصحفيين والسياسيين والدبلوماسيين والمهنيين، فإن المحاكمات الجارية في أكثر من أربع مدن تؤكد “استلاب أجهزة الدولة واحتكارها لصالح جهات غير مختصة، توظفها لتحقيق مشروعها الخاص عبر الإرهاب وتخويف الخصوم”.
وأشار البيان إلى دخول عناصر مسلحة إلى قاعات المحاكم، ومنع نشطاء حقوقيين من الحضور، مع ترهيب القضاة والمحامين، في انتهاك واضح لمبادئ المحاكمة العادلة.
وطالبت المذكرة مجلس حقوق الإنسان في جنيف، ومفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالتدخل العاجل لوقف هذه المحاكمات، ووضع حد لتدخل الجهات العسكرية والميليشياوية والسياسية في عمل القضاء.
سيطرة الإخوان
في السياق ذاته، يحذر الخبير القانوني معز حضرة من سيطرة عناصر الإخوان على النيابة العامة وأجهزة العدالة بعد انقلاب أكتوبر 2025، ما أتاح تنفيذ محاكمات انتقامية ضد الخصوم السياسيين.
ويقول حضرة لسكاي نيوز عربية:”منذ استيلائهم على السلطة عام 1989، جير الإخوان أجهزة العدالة لصالحهم، وفتحوا بلاغات كيدية طالت مئات المدنيين. اليوم يتكرر المشهد عبر جهات أمنية موالية للتنظيم”.
ويضيف:”هذه المحاكمات ترسل رسالة واضحة بأن أجهزة العدالة غير راغبة أو غير قادرة على تحقيق العدالة، وهو تأكيد كامل على تسييس القضاء”.
مظاهر الانهيار
تتجلى ما يصفه نشطاء بمظاهر انهيار العدالة في توجيه اتهامات على أسس سياسية، ومحاكمات حضورية وغيابية بحق أكثر من 60 شخصا.
ويتهم قانونيون سلطة الجيش باستخدام القضاء لتصفية الثورة التي أطاحت بنظام الإخوان في أبريل 2019.
وتصف المحامية والناشطة نفيسة حجر هذه المحاكمات بأنها “انتحار للعدالة وسقوط لاستقلال القضاء”، قائلة: “تستخدم نصوص القانون كأدوات تصفية سياسية”.
وتضيف: “دخول عناصر ملثمة ومسلحة إلى قاعات المحاكم يؤكد أن منصة العدالة أُهينت، وأن القضاء بات تابعا لإرادة قوى تدير المشهد من خلف الستار”.
خطر جسيم
وحذرت لي فونغ، ممثلة مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في السودان، من خطر جسيم يواجه العدالة المحلية، مؤكدة أن الحرب أضعفت سيادة القانون ومؤسسات العدالة، وقوضت آليات حماية المدنيين.
وقالت: “نوثق انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، تشمل الإعدام بإجراءات موجزة، والاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري”.


