ويشمل الاتفاق تسليم محافظتي دير الزور والرقة للحكومة السورية، ودمج قوات “قسد” ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، إلى جانب تسليم حقول النفط، وتولي الدولة ملف سجناء تنظيم داعش وعائلاتهم، مع الالتزام بإخراج القيادات والعناصر غير السوريين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني خارج البلاد.
وتزامن هذا الإعلان مع بيان لوزارة الدفاع السورية أكدت فيه الإيقاف الكامل للأعمال القتالية، وفتح ممرات آمنة لعودة الأهالي، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة.
صفحة جديدة في تاريخ الحقوق الكردية
يضع الخبير السياسي والاستراتيجي عبد الجبار العكيدي الاتفاق الذي سبق المرسوم الرئاسي رقم 13 في خانة التحولات التاريخية، معتبرا أنه شكّل “لحظة مفصلية في مسار الاعتراف بحقوق الكرد في سوريا”.
وأوضح لـ”سكاي نيوز عربية” أن هذا الاتفاق أقرّ حقوقا سياسية ولغوية وثقافية وقانونية لم يكن معترفا بها سابقا، مؤكدا أن “هذه الحقوق ليست منّة من أحد، بل حقوق أصيلة تم الإقرار بها رسميا من الدولة السورية ورئيسها”.
ورأى العكيدي أن هذا التطور “يفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد، قوامها الأخوّة بين العرب والكرد وسائر مكونات الشعب السوري”، داعيا إلى التوقف عن التحريض وخطاب الكراهية، والانطلاق نحو مشروع وطني جامع “يقوم على الشراكة وبناء سوريا معا”.
تفكك “قسد” كمسار طبيعي للاندماج
اعتبر العكيدي أن تفكك “قسد” واندماجها ضمن الجيش السوري “يمثل مسارا طبيعيا ومنطقيا، ويندرج ضمن بنود اتفاق العاشر من مارس آذار”.
وأكد أن الاندماج “يجب أن يتم على أساس فردي، سواء في الجيش أو في قوى الأمن الداخلي”، رافضا من حيث المبدأ فكرة إدخال كتل عسكرية قائمة على أسس قومية أو عرقية أو دينية.
وشدد على أن “أي جيش يحترم نفسه لا يمكن أن يُبنى على هذا الأساس”، متسائلا عن مدى إمكانية وجود تشكيلات عسكرية منفصلة داخل جيش وطني موحد.
رفض الكتل العسكرية ومعايير الدولة
أوضح العكيدي أن الدولة السورية “لم تُبدِ أي قبول لفكرة الكتل العسكرية داخل الجيش، سواء كانت قومية أو دينية”.
واستحضر مثالا افتراضيا لتوضيح خطورة هذا النهج، مشيرا إلى أن “وجود ألوية مصنّفة على أساس كردي أو مسيحي أو علوي أو درزي أو إسماعيلي يتعارض مع التنظيم العسكري ومع مفهوم الجيش الوطني”.
وأشار إلى أن “وحدة البنية العسكرية شرط أساسي لبناء دولة مستقرة”، وأن “أي خروج عن هذا المبدأ يُعد إخلالا بالمعايير المهنية والتنظيمية للمؤسسة العسكرية”.
المقاتلون الأجانب.. نحو حل تدريجي
في ما يتعلق بملف المقاتلين الأجانب، يرى العكيدي أن هذا الموضوع يتجه نحو الحل، موضحا أن هؤلاء لم يعودوا موجودين ككتل مستقلة، بل باتوا مندمجين ضمن الفرق والألوية في الجيش السوري.
وبيّن العكيدي أن فصائل الجيش الوطني التي كانت تنتشر في الشمال اندمجت تدريجيا داخل الجيش السوري، وذابت ضمن بنيته التنظيمية، معتبرا أن هذا المسار يعد أمرا طبيعيا في سياق إعادة بناء المؤسسة العسكرية.
بوادر حسن نية ورتب عسكرية
وفق العكيدي فإن قادة “قسد” مُنحوا فرصة كبيرة للاندماج، لافتا إلى أن هناك توجها لمنحهم رتبا عسكرية وامتيازات ومناصب عليا في الجيش والأمن والدولة، في إطار ما يصفه ببوادر حسن نية تهدف إلى تسهيل عملية الدمج.
لكنه يؤكد مجددا أن هذا الاندماج “سيكون على أساس فردي، وليس من خلال الإبقاء على تشكيلات قائمة بذاتها”، معتبرا أن أي صيغة أخرى تتناقض مع منطق الدولة والجيش.
إلغاء الدورات العقائدية واعتماد المسار المهني
تطرق العكيدي إلى مسألة الدورات العقائدية، مؤكدا أنها لم تعد موجودة بعد مرحلة التحرير.
ولفت إلى أن الدولة السورية تعتمد حاليا على الكليات والأكاديميات العسكرية، حيث يخضع جميع الراغبين في الانضمام إلى الجيش أو القوى الأمنية لدورات عسكرية نظامية، بمن فيهم قادة كبار سابقون في فصائل مختلفة.
وأقرّ العكيدي أن العملية ليست سهلة ولا وردية، وأنها ستواجه تعقيدات وصعوبات، إلا أنه يرى أن لا خيار أمام السوريين سوى الحوار والتفاهم والاندماج للوصول إلى نقطة التلاقي وبناء الوطن.
وجود كردي راسخ داخل المؤسسة العسكرية
يعتقد العكيدي على أن وجود الكرد داخل الجيش السوري ليس أمرا جديدا، موضحا أن آلاف الضباط والعناصر الكرد يشغلون مواقع قيادية ولديهم رتب عالية، وقد شاركوا في القتال منذ اللحظات الأولى.
واستعرض محطات ميدانية شارك فيها هؤلاء القادة، من عين العرب إلى عفرين ورأس العين وتل أبيض والشيخ مقصود والأشرفية، وصولا إلى دير حافر ودير الزور والشدادي.
وحسبما يؤكد العكيدي فإن الكرد كانوا جزءا أصيلا من مسار الثورة منذ بدايتها السلمية وحتى العمل العسكري، إلى جانب سائر المكونات السورية.
شرط الإرادة والخروج من عباءة “العمال الكردستاني”
خلص العكيدي في حديثه إلى أن اندماج “قسد” يتطلب نوايا حسنة وإرادة سياسية واضحة، مشددا على ضرورة أن تخرج القيادات الكردية السورية من عباءة حزب العمال الكردستاني.
وحسبما يرى فإن هذا الشرط يمثل مدخلا أساسيا لاستكمال مسار الاندماج وبناء مؤسسة عسكرية وطنية جامعة، قادرة على استيعاب جميع السوريين ضمن إطار الدولة الواحدة.


