ادعاء يعيد تشكيل التاريخ الإقليمي
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، السبت، أن القوات الأميركية ألقت القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، الذي يقود البلاد منذ عام 2013، بعدما نفذت “ضربة واسعة النطاق” في فنزويلا.
وقال ترامب على منصة “تروث سوشال”، إن “الولايات المتحدة نفذت بنجاح ضربة واسعة النطاق على فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو، الذي ألقي القبض عليه مع زوجته سيليا فلوريس ونقلا إلى خارج البلاد”، مشيرا إلى أنه “تم تنفيذ هذه العملية بالتنسيق مع جهات إنفاذ القانون الأميركية.
وأوضح ترامب أنه سيعقد مؤتمر صحفيا في فلوريدا، حيث يقضي عطلة لمدة أسبوعين بمناسبة عيدي الميلاد ورأس السنة.
وذكرت شبكة “سي بي إس” الإخبارية الأميركية، أن وحدة من قوات النخبة في الجيش الأميركي تعرف بـ”قوة دلتا”، نفذت عملية إلقاء القبض على مادورو، بينما لم يؤكد مسؤولون أميركيون صحة هذا التقرير بعد.
ونقل سناتور أميركي عن وزير الخارجية ماركو روبيو السبت تأكيده أن واشنطن استكملت عمليتها العسكرية في فنزويلا مع إلقاء القبض على مادورو، الذي “سيحاكم” في الولايات المتحدة.
وكتب السناتور الجمهوري مايك لي على “إكس” بعد اتصال قال إنه أجراه مع روبيو، إن وزير الخارجية “يتوقع ألا تكون هناك أي تحركات إضافية في فنزويلا الآن بعدما بات مادورو قيد الاحتجاز في الولايات المتحدة”.
من جهته، قال نائب الرئيس الأميركي إن مادورو يواجه عدة لوائح اتهام في الولايات المتحدة بتهمة الإرهاب المرتبط بالمخدرات.
وقد حظيت هذه الادعاءات باهتمام عالمي فوري نظراً لحجمه وتداعياته على الأمن الإقليمي.
وهذا من شأنه أن يمثل مستوى من التدخل العسكري المباشر لم تشهده أميركا اللاتينية منذ أن غزت الولايات المتحدة بنما في ديسمبر 1989 للإطاحة بمانويل نورييغا، الحاكم العسكري للبلاد في ذلك الوقت.
تلك العملية، المعروفة باسم عملية “السبب العادل” Just Cause، شملت آلاف الجنود الأميركيين وأدت إلى القبض على نورييغا ومحاكمته لاحقاً في الولايات المتحدة.
كاراكاس تسعى إلى الوضوح
أكدت نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز، أنها لا تعرف مكان وجود مادورو، مطالبة الولايات المتحدة بتقديم “دليل على أن مادورو على قيد الحياة”.
وأوضحت أن السلطات في كاراكاس لا تملك أي معلومات عن مكان وجود الرئيس أو حالته الصحية، ولا عن وضع زوجته، سيليا فلوريس.
وأكدت رودريغيز أن غياب المعلومات الموثوقة قد ترك الحكومة تعمل في حالة من عدم اليقين.
وقالت رودريغيز إن الحكومة لم تُقدَّم لها أي أدلة تدعم هذه الادعاءات، مؤكدةً أن البحث عن دليل على أنه لا يزال على قيد الحياة بات الآن أمراً عاجلاً.
وشددت على تمسكها بـ”خطة الدفاع” الوطنية بغض النظر عن مكان تواجد مادورو.
لماذا تُعدّ المقارنة مع بنما مهمة؟
أشار المحللون والدبلوماسيون إلى أن المقارنة مع بنما ليست مجرد مقارنة رمزية. فمنذ عام 1989، اقتصر التدخل الأميركي في أميركا اللاتينية إلى حد كبير على العقوبات والضغوط الدبلوماسية والتعاون الأمني والدعم العسكري غير المباشر، بدلاً من الضربات العلنية التي تهدف إلى الإطاحة برئيس دولة.
ووفقاً للخبراء، إذا ثبتت صحة رواية ترامب، فإن عملية فنزويلا ستشير إلى تحول حاد عن عقود من السياسة الأميركية في المنطقة.
سابقة نورييغا تثير تساؤلات حول النتائج المحتملة
قال ترامب إنه سيتم الكشف عن تفاصيل إضافية خلال مؤتمر صحفي مُقرر عقده في تمام الساعة 11 صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، على أن يُلقي الخطاب من منتجع مارالاغو، مقر إقامته في فلوريدا.
وقد أثار ظهوره المُخطط له من ميامي اهتمامًا واسعًا نظرًا لأهميته التاريخية، إذ يُذكّر بتدخل الولايات المتحدة في بنما عام 1989.
بدأت بداية سقوط مانويل نورييغا عام 1988، عندما وجهت إليه هيئات محلفين اتحادية أميركية في ميامي وتامبا تهمًا تتعلق بالاتجار بالمخدرات، متهمة إياه بمساعدة كارتل ميديلين الكولومبي على تهريب كميات كبيرة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة.
رد نورييغا في البداية بتحدٍ سافر، رافضًا العقوبات الاقتصادية الأميركية التي تهدف إلى إجباره على التنحي عن السلطة، وملمحًا علنًا إلى أنه لن يستقيل.
وفي إحدى الحوادث التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، لوّح بمنجل في تجمع حاشد متعهدًا بالبقاء في منصبه، وفي عام 1989 ألغى الانتخابات الوطنية التي أكد مراقبون دوليون فوز المعارضة فيها بشكل واضح.
بلغت المواجهة ذروتها في ديسمبر 1989، عندما أمر الرئيس الأميركي جورج بوش الأب بغزو عسكري لبنما.
في نهاية المطاف، أُلقي القبض على نورييغا ونُقل جواً إلى ميامي، في خطوة أصبحت رمزاً لأكثر التدخلات الأميركية المباشرة في أميركا اللاتينية في التاريخ الحديث.
وخلال العملية، قُتل 23 عسكرياً أميركياً وأُصيب 320 آخرون، بينما تُشير تقديرات البنتاغون إلى أن الخسائر البنمية بلغت 200 مدني و314 جندياً.
في المحكمة، ادعى المدعون أن نورييغا قد سهّل عن علم تهريب الكوكايين على نطاق واسع، بينما استند دفاعه إلى وثائق تصفه بأنه عميل استخباراتي أميركي مخضرم، واصفين إياه بـ”عميل وكالة المخابرات المركزية في بنما”، وزعموا أن لائحة الاتهام ذات دوافع سياسية.
في أبريل 1992، أدانت هيئة محلفين نورييغا بثماني تهم من أصل 10، بعد أن طُلب منها عدم الأخذ في الاعتبار السياق السياسي للغزو أو ما إذا كان لواشنطن الحق في محاكمته.
خلال فترة سجنه في سجن فيدرالي ذي حراسة مخففة بالقرب من ميامي، مُنح نورييغا صفة أسير حرب، بما في ذلك السماح له بارتداء زيه العسكري البنمي أثناء مثوله أمام المحكمة.
في ظل المقارنات التي تجرى حالياً خلال شهري ديسمبر ويناير مع قضية بنما، تستمر سابقة نورييغا في تشكيل التساؤلات حول ما إذا كان من الممكن أن تتبعها نتائج قانونية وسياسية مماثلة، حتى مع بقاء الوضع المحيط بفنزويلا دون حل.


