هذا الاستحقاق، الذي يشمل تجديد كامل مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ، يمثل تقليدياً استفتاءً شعبياً على أداء الرئيس وحزبه، وفرصة للمعارضة لإعادة رسم موازين القوى في الكونغرس.
لكن مع ترامب، لا تبدو الأمور تقليدية على الإطلاق؛ فالرجل الذي بنى حضوره السياسي على كسر الأعراف والاندفاع خلف شعاره “أميركا أولاً”، يواجه اليوم معادلة معقدة: إنجازات اقتصادية مثيرة للجدل، انقسامات متزايدة داخل الحزب الجمهوري، وضغوط خارجية تتراوح بين الحرب في أوكرانيا والأزمة في غزة والتوتر مع إيران.
كيف سينعكس كل ذلك على مسار الانتخابات المقبلة؟ وهل يستطيع ترامب الحفاظ على الأغلبية الجمهورية أم سيجد نفسه أمام كونغرس معادٍ يقيّد طموحاته؟
القاعدة الشعبية الصلبة وحدودها
يرى ديفيد رمضان، عضو مجلس النواب الأميركي السابق، أن قاعدة ترامب الانتخابية الصلبة تمثل سلاحه الأقوى.
هذه القاعدة التي تبقى وفية لشعار أميركا أولاً وتتبنى خطابه الشعبوي، لا تزال تشكل ركيزة رئيسية لوجوده السياسي. إلا أنّ رمضان يشير إلى أن هذه القاعدة، رغم قوتها، ليست كافية لحسم معركة الانتخابات النصفية التي تعتمد بالأساس على أصوات المستقلين والمتأرجحين.
ويؤكد رمضان أن الجمهوريين، رغم سيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ، يواجهون تحديًا حقيقيًا بسبب الهامش الضئيل الذي يفصلهم عن الديمقراطيين.
أي تحول محدود في توجهات الناخبين المستقلين قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على أحد المجلسين، وهو ما سيعقد مهمة ترامب في تمرير سياساته التشريعية.
الاقتصاد بين الدعاية والواقع
يشكل الاقتصاد الركيزة الأساسية التي يبني ترامب عليها خطابه الانتخابي. إهاب عباس، الكاتب والباحث السياسي، يشدد على أن إنجازات الإدارة واضحة على الأرض: تراجع نسبي في أسعار السلع الأساسية، تحسن في مؤشرات البورصة، ونمو في قطاعات اقتصادية معينة.
هذه الإنجازات، بحسب عباس، تمنح ترامب ورقة دعائية قوية يستطيع استغلالها لإقناع الناخبين بأن سياسته الاقتصادية تحقق نتائج ملموسة.
لكن الصورة لا تخلو من التحديات. إدمون غريب، أستاذ العلاقات الدولية، يرى أن الأثر الإيجابي للاقتصاد لم ينعكس بشكل كافٍ على الشرائح الوسطى والدنيا. بل إن التضخم وارتفاع كلفة المعيشة ما زالا يشكلان هاجسًا للناخب الأميركي العادي.
غريب يضيف أن فقدان ترامب دعم بعض الشخصيات الاقتصادية البارزة، مثل إيلون ماسك، يبعث إشارة سلبية حول تراجع ثقة رجال الأعمال الكبار في سياساته، وهو ما قد يؤثر على صورة الرئيس في أوساط الرأي العام.
الانقسام الجمهوري: معضلة داخلية
يشير السفير الأميركي السابق مسعود معلوف إلى أن التحدي الأكبر لترامب قد لا يأتي من الديمقراطيين بقدر ما يأتي من داخل حزبه الجمهوري.
فالانقسامات الأيديولوجية بين الجناح اليميني المتشدد والجناح التقليدي باتت أكثر وضوحًا في ظل سياسات الرئيس. ملفات حساسة مثل إيران والنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي زادت الشرخ داخل الحزب. إذ يرى التيار التقليدي أن سياسات ترامب الخارجية تضعف صورة أميركا كقوة دبلوماسية، فيما يراها الجناح المتشدد تعبيرًا عن الحزم والقوة.
هذا الانقسام، وفق معلوف، قد ينعكس في صناديق الاقتراع عبر تراجع الحماس لدى بعض الناخبين الجمهوريين، الأمر الذي يهدد قدرة الحزب على الحفاظ على مقاعده في الدوائر المتأرجحة.
السياسة الخارجية: ما بين المكاسب والانتقادات
لم تغب السياسة الخارجية عن مشهد الانتخابات. فقد تباهى ترامب بفرضه عقوبات قاسية على إيران، وتعزيز التحالف مع إسرائيل، معتبرًا ذلك إنجازًا في حماية المصالح الأميركية. إلا أن منتقديه يرون أن الإفراط في التركيز على الملف الإيراني، وإهمال قضايا أخرى، أفقد الولايات المتحدة توازنها الدبلوماسي.
إدمون غريب يوضح أن إصرار ترامب على تصعيد المواجهة مع طهران جعله عرضة لانتقادات داخلية وخارجية، خاصة أن المواطن الأميركي العادي لا يرى ارتباطًا مباشرًا بين هذه السياسة وحياته اليومية. أما ملف غزة، فقد أثار موجة غضب عارمة بعدما بدا أن واشنطن تخلت عن دورها التقليدي كوسيط نزيه، مما زاد من عزلة الولايات المتحدة في الساحة الدولية.
الانتخابات النصفية: قاعدة تاريخية ضد الرئيس
بول سالم، رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن، يذكّر بحقيقة سياسية تكاد تكون راسخة: الانتخابات النصفية غالبًا ما تأتي بنتائج سلبية للرئيس الحاكم. فالناخب الأميركي يميل إلى موازنة السلطة بين الحزبين، وهو ما يجعل الحزب المسيطر عرضة لخسائر حتى في حال تحقيق إنجازات نسبية.
ويشير سالم إلى أن الضغوط الاقتصادية المستمرة، حتى لو تراجعت حدتها، قد تدفع الناخبين إلى التصويت لصالح الديمقراطيين بهدف إحداث توازن سياسي.
ما بين الشعارات والأرقام: معركة المزاج الشعبي
المعادلة الانتخابية تبدو متشابكة. ترامب يملك شعارات قوية تلهب حماس قاعدته، مثل أمريكا أولاً والسيطرة على الحدود، لكنه يواجه في الوقت نفسه واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا لا يخلو من التحديات.
المستقلون، الذين غالبًا ما يحسمون الانتخابات، ينظرون بعين نقدية إلى حصيلة الرئيس. فإذا لم ينجح في إقناعهم بأن سياساته تصب في مصلحتهم المباشرة، فقد يجد نفسه أمام خسائر في الكونغرس.
الانتخابات النصفية المقبلة ليست مجرد استحقاق دوري، بل هي اختبار مصيري يحدد مستقبل إدارة ترامب الثانية. بين اقتصاد يُظهر مؤشرات متباينة، وحزب جمهوري منقسم، وسياسة خارجية مثيرة للجدل، يقف الرئيس أمام مفترق طرق.
إن تمكن من تحويل إنجازاته الاقتصادية إلى شعور ملموس لدى الطبقة الوسطى والدنيا، فقد يخفف من الخسائر المتوقعة. أما إذا طغت الانقسامات الداخلية والانتقادات الخارجية، فإن خسارة أحد المجلسين تبدو شبه محتومة.
في كل الأحوال، ستكون نتائج هذا الاستحقاق بمثابة بوصلة ترسم ملامح ما تبقى من ولاية ترامب الثانية، وتحدد موازين القوى استعدادًا لمعركة الرئاسة المقبلة.